حين تتحرر كتاباتنا من أعين الجمهور

كنت قد صادفت هنا قبل أيام حديثًا لأحد الأصدقاء حول رغبته في استبدال هاتفه الذكي بجهاز بسيط لا يحتوي على اتصال بالإنترنت. الفكرة بدت جريئة في عالم يعتمد بشكل متزايد على التواصل الرقمي، لكنها دفعتني للتفكير في أمر مختلف تمامًا: هل سأستمر في الكتابة إذا كنتُ أعلم أنني لن أنشر أبدًا؟ والإجابة جاءت بسهولة: نعم، سأستمر في الكتابة دون تردد، لأن الكتابة بالنسبة لي ليست مرتبطة بالنشر، بل بالتعبير عن أفكاري وذاتي كما أنها تريح ذهني من كثرة التفكير.

لكن هذا التأمل قادني إلى ما هو أعمق: كيف ستبدو كتاباتي حين تتحرر من أعين الجمهور, حين لا تخضع لمعايير الانتشار أو التفاعل، ولا تتأثر بالمحتوى المتدفق يوميًا على الإنترنت. هل ستصبح أكثر صدقًا، أكثر خصوصية، ربما أقل تصنعًا وأكثر عمقًا؟

ربما الكتابة في جوهرها فعل شخصي، لكنها حين تتحرر من التوقعات، تصبح أقرب إلى الحقيقة، وأكثر قدرة على ملامسة الذات دون حواجز.


أري الكتابة بدون جمهور تجربة مختلفة تماماً، فهي تكشف عن علاقتنا الحقيقية مع الكلمات، بعيداً عن ضغط التفاعل أو الحاجة لإثارة الاهتمام. عندما نكتب لأنفسنا فقط، قد نجد نصوص أكثر عمق وصدق، وربما أقل خضوع للقيود الأسلوبية التي يفرضها النشر. لكنها في المقابل تفقد ذلك الحوار الذي يمنحه وجود القارئ، حيث يمكن أن تصبح الكتابة انعكاس داخلي خالص دون تغذية راجعة تثريها أو تحدي يجعلها تنضج. ربما التحدي الحقيقي هو أن نكتب بحرية حتى في العلن، أن نجد التوازن بين التعبير الصادق ومراعاة تأثير الكلمات، بحيث لا تصبح الرقابة الذاتية عائق، ولا يؤدي الانفتاح الكامل إلى فقدان الصلة بالواقع.

التحدي الحقيقي هو أن نكتب بحرية حتى في العلن،

ربما التعود على الكتابة للنفس سيمكننا من اكتساب هذه المهارة