هل أنت كاتب أم مدون؟

كثيرًا ما كان يراودني ذلك السؤال وأوجهه إلى نفسي: هل أنت كاتب أم مدون؟ وهل هناك فارق واضح بين الاثنين؟ وأظنه سؤالًا قد أخذ جولة بكثيرٍ من عقول المدونين، فلماذا لا أفتح بابًا للنقاش في ذلك الأمر؟

أعتقد أن كل كتابة تهتم بالقاريء هي تدوين، فالتدوين دائمًا ما يكون غرضه مشاركة تجربة أو رأي يهم القاريء، ولذلك نرى كثير من المدونات في جميع المجالات مثل: السفر والطبخ ومراجعات الكتب وغيرها من المدونات، والتي تستهدف قاريء مُحدد وتحدثه عن قُرب، وتكون مبنية على أساس تجربة شخصية أو تجميع لتجارب متنوعة خاصة بذلك الحدث أو الخدمة أو حتى المنتج. فالتدوين في نظري علاقة بين طرفين، أنا أدوِّن لأتحدث إلى قارئي الأوحد، بأبسط أسلوب وأيسر الألفاظ الجذابة والمحببة إليه، فأنا أصنع ذلك الرباط الذي تُعقد خيوطه من الثقة، فحين أرشح له كتابًا ما، ويقرأه، فيتأكد من صحة كلامي حوله، سيعتمد على مدوناتي التالية في قراءاته اللاحقة، فدوري كمدون هو البحث على العامل المشترك بيني وبين قارئي، ومشاركته تجربتي الفريدة، كما أن التدوين لا يرتبط بالأكاديمية، فلا يجب أن أكون أستاذًا بالفلسفة أو متخصصًا لأكتب تدوينة عن إحدى الكتب الفلسفية، لذلك أرى التدوين كوسيلة للكتابة الحرة الخالية من القيود.

أما الكاتب، في ظني، فيدوِّن كلامته بطريقة أكثر رسمية، ولا يهتم بالقاريء كاهتمام المدون، والقيمة المضافة التي سيوفرها ستكون في المحتوى، أيًا كان قارئه، لذلك يُعتبر الكاتب باحث محترف، قادر على الكتابة بأي موضوع، معطيًا جل جهده للمادة العلمية أو الأدبية، لا ينتظر وفاءً من قارئه، فهنا التجربة التي يتشارك بها الكاتب والقاريء فقط هي ذلك النص المكتوب، ولذلك الكتابة أصعب من التدوين، وانتشارها لا يكون أسرع كالمدونات خاصة لو كانت منشورة ورقيًا وغير منشورة إلكترونيًا، وغالبًا ما ترتبط الكتابة بالأكاديمية، ولذلك نلاحظ أن كثيرين من كتاب المحتوى الطبي يكونون بالأصل أطباء أو صيادلة.

هل تتفق معي فيم تناولته؟ وهل هناك جوانب أخرى تُفرق بين الكاتب والمدون؟وهل ترى نفسك مدونًا أم كاتبًا ؟


التدوين كوسيلة للكتابة الحرة الخالية من القيود.

رغم أن سؤالك بـ (هل تتفق) غير محبب لدى الإدارة -كما هو في موضوع الرد- ؛ لكن أرى هذه الجزئية صحيحة ، إذا قسمنا التدوين إلى:

1- تدوين حر. خال من القيود تماماً، ولا يحتاج إلى تفكير غالباً ، ويحتاج إلى شيء من الوعي، وقد يصحبه شيء من العِلم.

2- وتدوين مقيد. فيحتاج إلى تفكير وبه قدر متساوٍ تقريباً ببين العلم والوعي وفيه قيود ؛ قد يكون القيد خاصاً بكل مدون مع نفسه، حسب مبادئه واعتقاده وقاعدته العلمية ونحو ذلك ، وقد يكون عاماً مثل الموضوعية في هذه المنصة.

وكلا القسمين ليس كالكتابة المقصودة تماماً -كما بينتَ-.

وقد قرأت مقالاً للكاتب الدكتور عبد الكريم بكار بعنوان: ( العامة تنتقم ! ) ، يتحدث فيه عن إطلاق الفرص أمام الجميع - العامة والخاصة - للكلام وإبداء الرأي ! وأن هذا كان مقصوراً على الخاصة في زمن ليس ببعيد ، وطلب حلًّا لهذه المشكلة. ولعلك تستمع لما نُشر أمس في قناة محاضراته بالتيليجرام حول مشكلة التنظير في العلوم الإنسانية.

فلعل تاريخ التدوين الحر يعود للوقت الذي حصل فيه ذلك الانفتاح.

وأما التدوين الخاص ( المقيد ) فإنا نجد صيد الخاطر لابن الجوزي - رحمه الله- قد طبق الآفاق، ويتم تصنيفه ضمن المدونات الشخصية في مجال التزكية، ففيه قدر مشترك بين العلم والوعي، وهو من الخاطر أي: الفِكْر ، ويبرهن على ذلك تنوع الدراسات حوله.

ومعرفة تاريخ العلم والظواهر مهم جداً ، لأننا لا يمكن أن تصور الشيء على حقيقته ما لم نعرف تاريخه.

هل ترى نفسك مدونًا أم كاتبًا ؟

الكتابة تحتاج لعلم وتفكير، والتدوين يحتاج لوعي - وإلى علم وتفكير في أحسن أحواله. فلعل العبرة بالمضمون.

وأما الحوار مع القارئ ، فاعلم أنه ليس من إنسان إلا ويخاطب آخراً ،، سواء كان كلامه في بحث أو كتاب أو مدونة، أو على ملتقى مهجور في أحد أحياء الإنترنت.

والسلام عليكم.

مقال: ( العامة تنتقم ! ) صـ 35 من كتاب: (علامات على طريق فهم الواقع).

https://t.me/ktbDBakkar/212

كلمة صوتية: ( التنظير في العلوم الإنسانية ).