48

عيب وحيـد قاتل " للقـراءة الغزيـرة ".. نصيحتي أن تأخذ حذرك منه

القراءة الغزيـرة هي الطريق الوحيـد الذي يجعلك تعيش مئات الحيوات الاخرى التي لن تعيشها .. وهي البناء العقلي المستمر الذي تبنيه ، لتستطيـع فهـم الوجود وطبيعة الأشياء - على حقيقتها - بشكـل صحيح ..

إلا أن لها عيــوبها أيضاً .. كأي شيء في الحيــاة ..

  • مأساة القراءة الغزيـرة أنها تعزلك عن الواقع تدريجيـاً .. ستبدأ بمرور الوقت في الشعـور أنك قادر على التفاهم مع ديكينــز ، وتشارلز دارون ، وعبد الوهاب المسيـري ، ومُصطفى محمود ، بل وربمـا تفتح معهم حوارات تخيّليــة في عقلك طوال الوقت ..

في نفس الوقت ، وعلى الناحية المقابلة ، ستبدأ بالشعــور بالعجــز وعدم القدرة على التفـاهم مع ما ستعتبــره بحــراً من السذاجة والجهــل والبساطة والتدنّي المعرفي يحيط بك طوال الوقت ، " لأنك أصبحت في مستوى أعلى عقليـاً من الآخرين بعد قراءاتك الغزيــرة "..

فتبــدأ مرحلة الإنسحــاب الحتمي من المُجتمع ..

تخيّــل أنك تجلس لساعات طويلة تقــرأ كتب وروايات لـ " جورج إليــوت " أو " إميل سيــوران " أو " تشيكــوف " ، وبعدها تجد نفسـك مضطـراً للنزول الى شارع أقصى مفهوم للثقافة العامة له هو مطالعة الصحف .. وما يستتبعها من طرق نقاش بدائية ، غير منطقيـة ، لا علاقة لها بما قرأته وفهمته وخبـرته ..

فضـلاً أن المجتمع حالياً - بشكـل عام - يزخــر بكـل أنواع الحيـاة التي لا تمتّ لثقافتك وقراءتك بأي صلة .. سواءً في نوعية الأغاني التي تسمعها ليل نهار ، أو طبيعة التعامل ، او طبيعة اختيار الألفاظ ، أو طبيــعة الفهم وخوض الموضوعات..

وقتئد ، حتماً ستكـره الحيــاة الواقعيّــة بكــل عناصــرها وتبدأ تخلق عالمك الخاص .. وفي المقابل ، الحيــاة الواقعية بكــل عناصــرها ( الناس - الأصدقاء - كبار السن - المجتمع ) سوف يتبـادلون معــك الكراهية ، ويتهامسـون عليك أنك مغــرور ومُتعالي وغريب الأطوار ..

  • اذا كنت ترى في نفسك هذا النموذج .. أو بدأت تشعـر بهذا الشعـور ( التعالي على المجتمع ، والرغبة الدائمة في الإنسحاب الكامل عن كل ما له علاقة بالحياة العامة ، والتقوقع على ذاتك وقراءاتك فقط ) ..

فنصيحتي الصادقة لك أن تتخلص من هذا الشعور بقدر الإمكــان ، ولا تستسلم لفكـرة إنك ( Geek ) ولديك عالمك الخاص ، وأن العالم الخارجي مليئ بالشــرور والهمجيــة والغبــاء - حتى لو كانت هذه الفكـرة صحيحة بالنسبة لك - ..

لسببين ، الأول شخصي والثاني مُجتمعــي :

السبب الشخصي :

 هو أن المُستريح فى الحيــاة فعلاً هو الشخص الذي يستطيع الجمع ما بين كتابات " جورج إليــوت " في غرفته ، والاستمـاع لأغاني على شاكلة " حارة الحمبــوكشي " في الشارع ، ويتظــاهر انه يحيــا حياة طبيعية وبشكـل تلقائي ، وغير مُندهش من الهوّة الحضارية الضخمة التي بتكرر أمامه طوال الوقت ..

السبب المُجتمعــي :

هو أنك إذا كنت قد بلغت هذا القدر من الثقافة .. فالواقع انك أنت تحديداً الأمل الوحيــد في إصلاح هذا المُجتمع ثقافيــاً ، عندما تندمج معــهم ، وتسرّب لهم بالتدريــج كتب تنويريــة ، وتسمّعهم بعض الموسيقى الكلاسيكية الراقية ، وتخبرهم ببعض مبــادئ الحيــاة العصــرية ، وتنصحهم بمشـاهدة أفلام هادفة ، وتطوير نفسهم ، إلخ..

بإختصـار ، مفهوم التواضع ليس ( إجتماعياً / مادياً ) فقط .. التواضع يشمــل النواحي الثقافيــة أيضــاً .. حتى لو كـان مؤلماً وصعــباً ومُستفــزاً وثقيلاً على النفس والروح !

نصيحتـي أن تجعل الكتاب وسيلة لفهــم الواقع وتغييــره للأفضــل .. وليس وسيلة للهــروب من الواقع الى الأبد ..


مساء النور..أحييك على هاته الإشارة الضرورية .. فالقراء الشباب يكفي أن يخطر على بالهم بأن القراءة شيئ نادر في العالم العربي وبأنهم بحكم ذلك مميزين واستثنائيين..حتى تغرهن أنفسهم بالغرور والتعالي وكل ما شابه ذلك..

والذي بالطبع سينعكس سلبا على شخصية القارئ المتكبر قبل أن ينعكس ذلك على علاقاته الاجتماعية..وهذا من خلال كون ان كل تلك القراءات كانت ليس سوى هدرا للوقت إن لم نقل أثرت عليه سلبا..القراءة وعلاقتنا مع الكتاب بدورها تحتاج وعيا..لما نقرأ؟وإلى أين بهاته القراءة؟..وهم خلق عالم خاص والتفرد..لا معنى له ويبدو أنانيا جدا.

كما أنه صعب جدا على هذا القارئ بحكم طبيعته الاجتماعية.ألا يتفاعل معرفيا مع وسطه..خاصة إن كان يكبح نفسه ويضغط عليها لتجنب ذلك..وهذا غالبا يكون الحل الأمثل لأصحاب الشخصيات الضعيفة نظرا لردات الفعل غير المبالية وغير المكترثة.

رغم ذلك فالقارئ بدوره لا يحس بطعم الثقافة إلا عندما يقدمها للأخر بل حتى هي في حد ذاتها لا يكون لها دور إلا في المناقشات والتبادلات المعرفية..كما ان ذلك سيكون جميلا جدا برايي ان تحس بأنك ذات منفعة وأنك قد تمكنت من اعطاء أفكار لشخص ما من خلال المناقشة.. قد تغير احداها نظرته للأمور وبالتالي حياته.

..يحسسك ذلك بالجدوى وهذا أكثر المشاعر ضرورة ليحس شخص ما بأن هناك معنى لحياته..خاصة أن هذا سينقلك للواقع ويجعلك تحتدم معه لنضوج وإحاطة أشمل للمواضيع..

..نخلص في الأخير بأن لولا الآخر باختلافه عنا لما احتجنا للوعي ولا التعلم اكثر بشأن علاقتنا مع ذلك الآخر الذي نأمل دوما أن نصنع معه حياة سعيدة وناضجة.....

هه يبدو اني اطلت..استسمح..لكني تشرفت باثراء المحتوى والتعبير عن نظرتي للفكرة..بالمناسبة ممتنة لك لمشاركة موقع حسوب فانا جد مسرورة بالانضمام إليكم .. خالص التحيات.