حارس الحبر المسكوب

​حارس الحبر المسكوب

​في أزقة مدينة "باقي الأثر"، حيث تُباع الكتب القديمة بأوزانها لا بعناوينها، كان "صالح" يعيش وحيداً داخل مكتبة شبه منسية تُشبه الكهف. لم يكن صالح بائعاً عادياً؛ بل كان مصححاً لغوياً تيبست أصابعه على ريشة الحبر، وشخصاً يعتقد جاداً أن الكلمات الكاذبة في الروايات تترك بقعاً داكنة على رفوف المكتبة لا يمحوها إلا الزمن.

​في ليلة شتوية عاصفة، وانقطاع تام للكهرباء، اقتحم المكتبة رجل ضخم يرتدي قناعاً جلدياً معقداً يُخفي ملامحه بالكامل، ويحمل تحت معطفه مجلداً جلدياً تبدو عليه علامات القدم الشديدة. وضع الرجل المجلد بخشونة على الطاولة، وقال بصوت أشبه بحفيف الأوراق الممزقة:

​"صحح هذا الكتاب.. إنها حكاية مدينتكم التي لم تكتب بعد، وكل حرف فيها ينزف حقيقة!"

​قبل أن ينطق صالح بكلمة واحدة، اختفى الرجل في الضباب خارج الباب المفتوح، تاركاً إياه في صمت مطبق إلا من صوت قطرات المطر.

​أضاء صالح شمعةً شاحبة وفتح المجلد الغريب. وما إن وقعت عيناه على السطر الأول، حتى جمد الدم في عروقه. لم تكن الكلمات مطبوعة بحبر تقليدي، بل كانت تتحرك وتتغير تدريجياً أمام عينيه!

​كانت الصفحة الأولى تروي تفاصيل حياته هو شخصياً، خطوة بخطوة، وما كان يفعله قبل ثوانٍ معدودة. استمر في تقليب الصفحات بفضول ممزوج بالرعب، ليجد أن الفصل الأخير من الكتاب يحمل عنواناً صادماً: "النهاية: عندما يكتب الحارس مصيره".

​والأدهى من ذلك، أن السطور الأخيرة كانت فارغة تماماً، وتنتظر قلماً يخطها، بينما تحركت ريشة الحبر الملقاة على الطاولة تلقائياً نحوه، كأنها تدعوه ليُنهي قصة حياته بنفسه، أو ليختار القناع الذي سيرتديه الأبد كله!

​وقف صالح مذهولاً بين شمعة ذابلة وكتاب يكتب مستقبله.. فهل سيلتقط الريشة ليكتب نجاته، أم يترك الحبر يقرر عنه؟


التعليق السابق
أتمنى أن تكون التكملة قد راقت لك ولامست حسك الأدبي الرائع

الحس الأدبي الجميل يسكن بين كلمات كاتبها ومتذوقة لجمال معانيها... شكرا لك لاكمال القصة بالنهاية التي كتبتها وعبرت أنت بكلمات أجمل بمعاني أوسع.. ....

الأثر الذي يتركه الحبر حين ينزف من أعماق الروح، يظل يشعّ في العتمة وكأنه نجم بعيد."
أشعر أحياناً أن الكلمات ليست ملكاً لنا... نحن مجرد وسطاء نمنحها صوتاً حين تكفّ الأرواح عن الكلام."
القلم الصادق لا يكون عدواً أبد

هل قال القلم كل شيء ام انها بداية لما لم يقله بعد؟ اسلوبك جميل ويحمل الكثير من المعاني أتمنى الا يجف حبر قلمه ....

اشكرك من اعماق قلبي

العفو من أعماق قلمي،ياصاحب الحبر المسكوب الكتابة تعبر عن صاحبها بلغة أو بأخرى انا من محبي الكتابة و الكلمات الجميلة وكان موضوعك يحمل بين طياته الكثير ويكتب بلغة عميقة لصاحبه عن ماض بدا القلم يكتب تفاصيله ببطء وكأن القلم في البداية كان ثقيلا على كاتبه ليخط كلمات تصل إلى عمق من يقرؤها بلغة غير ظاهرة فاعجبتني كلماته حقا ...