ماذا لو ؟

ماذا لو؟

كانت الليلة هادئة إلى الحد الذي يجعلك تسمع فيه همس أفكارك. جلستُ في ركن الغرفة الدافئ، أفكر في ازدحام الأيام وطول الطريق، وفي تلك الأحاديث التي تظل معلقة في صدر الإنسان دون أن تجد من يستوعبها كما هي، دون تحريف أو تأويل.

وفجأة... لم يكن الأمر حلمًا، بل أحدثت الفجوة بين الخيال والواقع خرقًا لطيفًا. فتحتُ عيني لأجد أمامي شخصًا يسبقني بملامحي، بنظرة العين ذاتها، بنبرة الصمت ذاتها، وحتى بطريقة إمالة الرأس حين يرهقه التفكير. كان ذلك "أنا"... الاستنساخ الذي ينبض بالروح ذاتها.

لم أتردد لثانية. اتسعت المسافة بيننا خطوة واحدة، ورفعتُ ذراعيّ... ماذا لو احتضنتُ نفسي؟

دنوتُ مني واحتضنتي بكل ما أوتيتُ من حنين. لم يكن مجرد عناق؛ كان ترميمًا للروح. شعرتُ بأضلاعي تطوق أضلاعي، وبدفء خفي يسري في جسدينا، وكأن كل زفرة تعب تراكمت عبر السنوات بدأت تتلاشى بين هذا التلامس.

أبعدتُني عني قليلاً، ونظرتُ في عيني. ابتسمتُ ابتسامة صافية لم أبتسمها لأحد من قبل، مبتسمًا على ما سيخرج من جوفي، مستعدًا لأن أقول ما في داخلي لداخلي.

جلستُ أمامي، وبدأتُ أنصتَّ إليّ بكل شغف، بتلك العينين المفتوحتين على الاتساع دون صدّ، ودون إظهار ملل، ودون إصدار أحكام. بدأتُ أحكي كل ما كتمتُه عن العالم: أحلامي التي خشيتُ أن يراها البعض شطحات خيال، تعبي الذي غلّفتُه دائمًا بصمت قوي، مخاوفي الصغيرة، وتلك التفاصيل الدقيقة التي لا تهم أحداً سوى صاحب الروح نفسه.

أخذتُ أحكي ونسختي تستمع إليّ بدورها، بنفس اللهفة، يبتسم حين أصل إلى طرفة أو لحظة انتصار صغيرة، وينحني برأسه تفهماً حين أصل إلى موضع الألم.

تشاطرتُ معي كل ما يجول في قلبي وخاطري. ناقشنا كل ما لم أتمكن من مناقشته مع أحد غيري: تلك القرارات التي اتخذتها في العتمة، الطرق التي سلكتها وحدي، والمستقبل الذي أرسمه بشغف وصبر. دار بيني وبيني حديثٌ شيق، خفيفٌ حديثٌ لم يكن ليدور مع أي شخص آخر على وجه هذه الأرض، لأن لا أحد يفهم الشفرة السرية لقلبي سواي.

وحين انتهت الكلمات، لم نكن بحاجة لمزيد من الشرح. نظرت إليّ، ونظر الي وابتسمنا ذات الابتسامة التي أعرفها جيدًا، وكأنه يقول: "أنا هنا.. طالما أنك تفهمني، فلن نكون لوحدنا أبداً."

ذاب الشبح في أثير الغرفة، لكن الحرارة التي تركها ذلك العناق في صدري لم تبرد. أدركتُ حينها أن أعظم ما يمكن أن يمنحه المرء لنفسه، ليس أن يهرب من العالم، بل أن يجلس مع ذاته، ينصت إليها بشغف، ويحتضنها بكل ما فيها.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

كتابتك لامست روحي صحيح أنني في عائلة كبيرة لكن على الرغم من ذلك بين مشاعرنا حدود كأمثال الجبال

طفولتي مرت وشعور بالوحدة يأكلني فأنشأت من خيالي الخصب الكثير من الحكايات حتى لكدت أقتنع بأن من تخيلتهم هم عائلتي الحقيقية لكن على الرغم من ذلك حاصرتني الوحدة

حتى اهتديت إلى إنسان شاركني جميع أسراري وآلامي.. إنه أنا أغلقُ علي الباب وأتحدث بل وأجيب أيضا أبكي ثم أهدأ وآيس ثم أرجو

فكان ذلك دواء ناجعا وبلسما نافعا

أسعدني

كلا

أفرحني

كلا

ادخل على قلبي السرور

كلا أيضا

مروركم الكريم اسعدني وافرحني وادخل على قلبي السرور وأكثر من ذلك أيضاً