أيعكس القلم صاحبه أم أن ما يكتبه مجرد فكرة لا تمسه؟

لطالما ربطت بين الكاتب وكتاباته، وكنت أظن أن الأفكار التي يكتبها الإنسان تعكس شخصيته وسلوكه بدرجة كبيرة. لذلك صُدمت عندما قرأت عن الفيلسوف والمفكر جان جاك روسو، الذي يُعد من أكثر الأسماء تأثيرًا في تاريخ التربية الحديثة. فبعد أن قرأت له كتبًا ومقالات مترجمة تتحدث عن أهمية الطفولة وحسن تنشئة الأبناء، اكتشفت أنه اعترف بإيداع أطفاله الخمسة في دار للقطاء مبررًا ذلك بالفقر وعدم قدرته على رعايتهم.

هذه المفارقة دفعتني للتساؤل عن طبيعة العلاقة بين الكاتب وأفكاره. فنحن كثيرًا ما نفترض أن النص مرآة لصاحبه، وأن من يكتب عن الرحمة لا بد أن يكون رحيمًا، ومن يدعو إلى الفضيلة لا بد أن يجسدها في حياته. لكن الواقع يبدو أكثر تعقيدًا؛ فالكتابة ليست دائمًا وصفًا لما نحن عليه، بل قد تكون تعبيرًا عما نؤمن به أو نتمنى أن نكونه أو نراه أفضل للآخرين.

لا يعني ذلك التقليل من قيمة الأفكار أو اتهام أصحابها بالنفاق، لكنه يذكرنا بأن الكاتب بشر في النهاية، قد ينتج أفكارًا عظيمة تفوق قدرته على تطبيقها في حياته الخاصة. وربما لهذا ينبغي أن نحاكم الأفكار بقدر ما نحاكم أصحابها، وألا نفترض أن جمال الكلمات دليل كافٍ على مثالية من كتبها.


التعليق السابق

وجهة نظر مفهومة. لكن لا أرى أن رفض فكرة جيدة فقط لأنها لم تتحقق ضمن حياة صاحبها أمر صائب، لأننا بذلك نحرم أنفسنا من قيمة الفكرة نفسها، ونحول ضعف الإنسان إلى سبب لإسقاط ما قد ينفعنا. الفكرة تقاس بصدقها وقوتها، لا بسيرة من كتبها.

اتفهم طبعا لكن الفصل الكامل بين الفكرة وصاحبها ليس دائمًا ممكنًا عمليًا، خاصة في الأفكار التي تتعلق بالسلوك والأخلاق والتطبيق الواقعي.. لذلك الاعتراض ليس على قيمة الفكرة، بل على تجاهل عنصر قابلية التطبيق الذي يعد جزءًا مهمًا من تقييم أي فكرة في الواقع.