كنت أتابع قراءة كتاب (مكتبة الحكمة) للكاتب جوناثان ليونز، ووصلت إلى الجزء الذي يتحدث عن بداية صناعة الورق. قرأت عبارة: "بينما عمل كثير من أفضل النساخين هم أنفسهم محررين أو مؤلفين".
استوقفتني هذه العبارة وقلت في نفسي: هذا منطقي جداً، فالنساخ في ذلك الزمان لم يكونوا مجرد آلات كاتبة بشرية، بل كانوا القراء الأوائل والمنتفعين الحقيقيين من كنوز المعرفة. فمن يتخذ نسخ الكتب مهنة له، لا بد وأنه قد اطلع على عشرات، بل مئات الكتب، واكتسب من المعارف بهذه الطريقة ما هو كفيل بجعله عالماً من العلماء.
ومن الطبيعي أن يُثمر هذا التراكم المعرفي عن قدرة فذة على تحرير المخطوطات وتنقيحها بعمق، ليتجاوز النساخ دور النقل المجرد إلى آفاق التأليف وإنتاج أفكار جديدة.
الكثير من هؤلاء النسّاخ (الوراقين) تحولوا بالفعل إلى مؤلفين لأنهم امتلكوا الموسوعية، فمن ينسخ في الفلك، ثم في الطب، ثم في الفلسفة، يمتلك قدرة فريدة على الربط بين العلوم. وهو ما جعلهم ينتجون أفكاراً جديدة تماماً مستخلصة من تلك الروافد المتعددة، مما جعل صناعة الورق في بغداد تتحول من مجرد حرفة يدوية، إلى ثورة ثقافية حقيقية قادتها عقول تعلمت بالنظر والبحث والتدقيق اليومي.
#بيت_الحكمة #نساخي_بغداد #علي_حداد
التعليقات