ثمة غواية قديمة تسكن قلوب التائهين، وهي الاعتقاد بأن "الحياة الصحيحة" تختبئ خلف رفوف المكتبات، وأن المسارات المتعثرة يمكن تقويمها بمجرد العثور على النص السحري الذي يملك المفاتيح. لكن الحقيقة التي يتهرب منها الكثيرون هي أن من انكسر مسار حياته لا يحتاج لخرائط جديدة بقدر ما يحتاج لشجاعة الوقوف وسط الأنقاض دون أن يغمض عينيه. لقد شوهت كتب "التنمية البشرية" و"الإرشادات المعلبة" بريق التأثير الحقيقي للورق، حين حولت التحول الوجودي إلى وصفات باردة ومكررة، بينما التأثير الذي نعنيه هنا هو تلك اللحظة التنويرية الصادقة، حين يسقط سطر واحد في قلب الإنسان فيحدث دوياً يغير مجرى حياته للأبد.
إن الكتاب الذي يعيدك للمسار ليس ذاك الذي يملي عليك "خمس خطوات للنجاح" أو "كيف تصبح ناجحاً في خمسون يوماً".. إنه الكتاب الذي يشعرك بأن كاتبه قد تسلل إلى أعمق غرف سرّك وكتب ما كنت تعجز عن صياغته، فلفت انتباهك لفكرة ما، ومنحك شعوراً تمكنت فيه من استعادة شيئا من ذاتك والبدأ من جديد.
نحن نعيش في عصر الإجابات الجاهزة، حيث يُروّج للكتاب كأنه قطعة غيار نركبها في محرك أيامنا المعطلة، لكن القيمة الثقافية والوجودية للكتاب تكمن في قدرته على تحفيز الفعل لا في كونه بديلاً عنه. إن من ينتظر من ورق أن يعيش حياته نيابة عنه كمن ينتظر من خريطة أن تمشي في الطريق الوعر، فالكتب العظيمة هي التي تمنحنا "شجاعة الرؤية" لنكتشف أن المسار الصحيح تحت أقدامنا مباشرة لو امتلكنا الجرأة لكسر القوالب المفروضة علينا.
لو تأملنا في سيرة الذين استعادوا توازنهم بعد انكسار مرير، سنجد أن عملاً ما
مثل "الإنسان يبحث عن معنى" لـ فيكتور فرانكل كان لهم بمثابة طوق نجاة فكري، لأنه استخلص من رماد تجارب ومواجهات حقيقية، وليس لأنه قدم نصائح تقنية معلبة ومكررة وجاهزة..
[أننا لا نملك دائماً القدرة على تغيير ظروفنا، لكننا نملك الحرية المطلقة في اختيار موقفنا النفسي تجاهها]. هذه الفكرة وحدها حين تتسلل لوعي إنسان محطم، تحوله من ضحية عاجزة إلى سيد لمصيره. ما أعنيه في إعادة المسار هنا ليست "إضافة" طبقة طلاء جديدة، أو قفزة خيالية، إنما هي عملية "نحت" قاسية تتطلب التخلي عن الأوهام والالتزامات الزائفة التي أثقلت كاهلنا لسنوات.
الكتاب العظيم هو الذي يتركك في النهاية وحيداً مع نفسك، مجرداً من الزيف، لتدرك أن الورق قد ينير الدرب لكنه أبداً لن يمشي الخطوات نيابة عنك.
بعيداً عن كليشيهات النصائح الجاهزة.
تظل بعض الاسئلة التي تفرض نفسها هنا:
ما هو الكتاب الذي لم يعطِك إرشادات معلبة فحسب لكنه أجبرك على النظر في المرآة وتغيير مسارك، فكان له تأثيراً في حياتك؟
وهل تؤمن بأن فكرة واحدة تسكن في طيات ورق، كافية لقلب موازين واقع إنسان بالكامل؟
وماهو الكتاب الذي يمكنك اهدائه لشخص،يحتاج إلى إعادة حياته الى مسارها الصحيح؟
وماهو الكتاب؟ أو ماهي انواع الكتب التي قد تنصح شخص بعدم قرائتها؟؟
التعليقات