رواية الجريمة والعقاب تمجيد للمجرمين وإهانة للضحايا البسطاء !

منذ فترة طويلة عندما قرأت رواية الجريمة والعقاب لدوستويفسكي، وانا افكر لماذا هذا الانبهار العالمي بشخصية راسكولنيكوف، لان ما رأيته أن الكاتب ركز كليا على صراعات القاتل النفسية وتجاهل تماما الآم الضحايا. ما يحول المجرم في عين القارئ إلى ضحية لظروفه وفلسفته الخاصة مما يسرق التعاطف الفطري مع العجوز المرابية وأختها المسكينة التي قتلت بلا ذنب سوى وجودها في المكان الخطأ.

بالضبط مثلما يبرر بعض الشباب أخطاءهم الكبرى واندفاعهم تجاه الآخرين بحجة أنهم يمرون بصراعات نفسية عميقة. بينما الحقيقة هو جاني مثلما كان راسكولنيكوف مجرم عادي استخدم الفلسفة ليغطي على جبنه وعجزه عن مواجهة الحياة بشرف وكبرياء.

​ادرك طبعا ان البعض يري انها عبقرية دوستويفسكي في كشف هذه التناقضات البشرية وأن الرواية تهدف لإدانة الجريمة عبر إظهار استحالة التعايش معها. لكن كيف ذلك والقارئ يخرج من الرواية وهو يحمل مشاعر الشفقة تجاه القاتل وربما يتمنى له النجاة في صراعه.


وانا افكر لماذا هذا الانبهار العالمي بشخصية راسكولنيكوف

وهذا ليس لأنه مجرد مجرم، فكم من مجرم لا يجذب الانتباه، ولكن بسبب الإتقان النفسي والكتابي في هذه الشخصية تحديدًا، حيث أعجب الناس بصراعه النفسي والتوتر القائم حول الشخصية. ولكن مهما بلغ إعجاب الناس بها، فالأمر لا يبرر أفعال الشخصية، وهو قتل العجوز وأختها. وسبب تركيز الكاتب على شخصية راسكولينيكوف لأن الشخصية كانت مرآة عاكسة لتساؤلات دوستويفسكي ومعضلته الأخلاقية. كما أنه أيضًا اعتمد على خبرته في التعامل مع المجرمين والقتلة لتحليل الدوافع النفسية للقاتل بدلاً من الضحية. إضافة إلى أن الجريمة وفلسفة راسكولينيكوف لم تكن من إنتاج دوستويفسكي بالكامل، بل اقتبسها من قصة مجرم فرنسي مشهور في ذلك الوقت. كما أن دوستويفسكي تبنى أدب الصراع لا أدب الضحية، ففي هذه الحالة تخيل أن القصة تتمحور حول العجوز، فلن يكون هناك تحليل أو هدم فلسفي لفكرة التفوق الفلسفية، لأن المرأة ماتت وبموتها انتهت مشاعرها معها، ولكن راسكولينيكوف مازال حيًا، فمشاعره وفكره مازال موجودًا، فيمكننا هنا تحليله وتحليل دوافع المجرم، وحتى من جهة منطقية بحتة، تحليل أفكار ودوافع المجرم أهم بكثير من تحليل مشاعر الضحية، فعندما نفهم مشاعر المجرم يمكننا منعه من ارتكاب الجريمة، ولكن عندما نشعر بألم الضحية لا يمكننا منع الجريمة، فالضحية ستُقتل في كل الحالات. ونقطتك في النهاية حول أن القارئ يخرج بشفقة تجاه القاتل، فهذا خطأ القارئ نفسه الذي لم يفهم مغزى الرواية، ولا يمكن للكاتب التحكم في كيفية فهم كل قارئ لكتاباته.

لكن ما قدمه من التركيز الكامل على دوافع راسکولنيكوف وتحليله النفسي يجعلنا نتجاهل الضحايا، وهذا قد يعطي انطباعًا غير مقصود بأن ألم الضحية أقل أهمية من صراع المجرم الداخلي.

وإهمال تصوير الضحايا يقلل من قدرة الرواية على نقل تجربة إنسانية كاملة، تجعل القارئ يشعر بمدى الضرر الذي يلحق بالأبرياء، وليس فقط بصراع العقلانيات الفلسفية للمجرم.