قرأتُ ما كُتب في المنتدى باهتمام، ولم أستطع تجاهل الشعور بالغضب عندما قرأت منشور بعنوان أين الرجال من الأعمال الرومانسية الكلاسيكية، وقد قامت كاتبة المنشور بالحديث في منشورها عن فئة من الكاتبات المعاصرات باعتبارهم الأفضل عندها.

وبصفتي رجلًا أولًا، وكاتبًا ثانيًا، وجدت نفسي أندفع للرد ثم تهذيب الرد ثم طرحه على الذكاء الصناعي ثم كتابة رد منضبط.

إلا أنني في النهاية قررت أن أكتب منشور عن هذا الموضوع وأقول رأيي في محاولة حصر بـ«الرومانسية الكلاسيكية» في قائمة من الأسماء المعاصرة، أسماء نحترمها ونحترم قرّاءها، لكن – وبكل صراحة – إنتاجها لا يتجاوز كونه طبقة سطحية في بحر الأدب العاطفي العميق الذي صمد عبر العصور.

المشكلة الأساسية هنا ليست في الأسماء، بل في التصور ذاته لتصنيف هام من تصنيفات الأدب، وتخيل أنه مجرد وسيلة للترفيه أو الإشباع العاطفي اللحظي، لا قوة فكرية وثقافية قادرة على زلزلة الوعي وإعادة تشكيل نظرة المجتمع للحب والإنسان.

هناك خلطًا واضحًا بين المصطلحات؛ فما تم الاستشهاد به لا ينتمي إلى «الرومانسية الكلاسيكية» بقدر ما يندرج تحت ما يُعرف نقديًا بـ«أدب الاستهلاك العاطفي» أو الـ Pop Romance، وهو أدب يُكتب غالبًا لإرضاء ذائقة سريعة، يعتمد على تكرار القوالب، ويخاطب مشاعر آنية، دون أن يضيف جديدًا حقيقيًا إلى بنية الفن أو الفكر.

أما إذا أردنا الحديث عن الرومانسية كمدرسة أدبية حقيقية، كفلسفة للحب لا كموضة عابرة، فلا يمكن تجاوز أولئك الذين صاغوا مفهوم الحب في الرواية قبل أن يصبح مادة قابلة للاستهلاك الرقمي.

وحصر الرومانسية في كونها «تجربة أنثوية» فقط، لا يُنصف المرأة ولا الأدب، بل يختزلهما معًا في إطار ضيق لا يليق بهما.

وهنا يبرز السؤال المشروع: أين الأقلام النسوية من الرومانسية الكلاسيكية الخالدة؟

لا أحد ينكر عظمة ماري شيلي، مثلًا، وتأثيرها الهائل في أدب الرعب عبر «فرانكشتاين»، لكن حين نتحدث عن الرومانسية الكلاسيكية تحديدًا، يظل الرجال – تاريخيًا – في صدارة المشهد، وقدّموا أعظم التعبيرات الأدبية عن الحب والمرأة.

أين نضع «آلام فرتر» لغوته، الرواية التي غيّرت وجدان أوروبا وأعادت تعريف الحب لجيل كامل؟

وأين تقف تلك الأسماء المعاصرة أمام «آنا كارنينا» لتولستوي، ذلك العمل الذي شرّح النفس البشرية وعواطفها بعمق لم يبلغه كثيرون؟

وهل يمكن تجاوز «دكتور زيفاجو» لباسترناك، أو نسيان «روميو وجولييت»، أو التقليل من شأن «الحب في زمن الكوليرا» لماركيز، الذي لم يكتب قصة مشاعر، بل ملحمة فلسفية عن الحب في أقسى تجلياته؟

وعلى المستوى العربي، ماذا عن «دعاء الكروان» لطه حسين، أو عالم إحسان عبد القدوس الذي جعل من الحب أداة لفهم المجتمع وتشريحه، لا مجرد حكاية مطوّلة قائمة على الاستهلاك العاطفي؟

هؤلاء لم يكتبوا عن الحب لأنهم عجزوا عن ممارسته، بل لأنهم ارتقوا به من علاقة بين شخصين إلى قضية وجودية وإنسانية.

الحقيقة القاسية – وربما المزعجة – أن الفارق بين روايات كثيرة مشهورة يقال عنها "رومانسية" وبين الأدب الرومانسي الحقيقي، هو كالفارق بين السراب والمطر.

شتّان بين أعمال تُلهب مشاعر مؤقتة، وأخرى تصنع تاريخًا وتعيش في الذاكرة الجمعية للأدب.

وحتى لا يُساء فهم هذا الطرح بوصفه عداءً للمعاصرين، فهناك بالفعل نماذج حديثة تكتب الرومانسية بعمق واحترام للفن، مثل عمرو حسين في «الديناصور»، ومحمد مسعد في «سقوط أزرق»، ومحمد السيد تقي في «بوجدانا: سيرة الحب والقدر».

والخلاصة أن الرومانسية ليست حكرًا على جنس، ولا على زمن، بل على العمق.

والتاريخ والأدب لا يعترف بقوائم الأكثر مبيعًا، بل بالأعمال التي نعود إليها بعد مئة عام فنجد أنفسنا فيها… وهو أمر يصعب تصديقه مع كثير مما يُقدَّم اليوم تحت لافتة الرومانسية.

#أحمدمجدي