أنا أعيش قي منطقة شبه ريفية، جربت العيش في وسط المدينة في الاقامة الجامعية وللأمانة كان يضايقني الضجيج هناك، ولكن عندما تمعّنت في الأمر وجدتني لا أكره الضجيح حقا، بل أكره المصطنع منه، الذي لا تفوح منه رائحة الحياة. فأنا متعود على نوع آخر من الضجيج: صوت جرار يحرث الأرض من بعيد، صراخ أطفال يلعبون في الأزقة، صوت طاحونة قديمة لا تتوقف، وحتى خوار الأبقار. هذا أيضا نوع من الضجيح لكنه حي ويشعرني بالانتماء والأمان نوعا ما، على خلاف الهدوء التام الذي قد يصلح للخلوة المؤقتة لا مكانا للعيش.

في رواية "القوس والفراشة" لمحمد الأشعري، يقول البطل: "لا أحب المدن التي بلا أنهار، كأنها مدن لا تبكي، لا أحب مراكش. أجدها متصابية، وتضحك بلا سبب!". هو لا يكره مراكش لكونها صاخبة، بل لأنه يرى صخبها مصطنعًا وخاليًا من الروح.. ربما نحن لا نكره الضجيج حقا، بل فقط الميت منه. نكره صوت آلات الحفر التي لا تتوقف، وأبواق السيارات العالقة في زحمة لا تنتهي، وضجيج المصانع الذي لا يحمل أي معنى.. لذا، لمن يحبون الهدوء ويكرهون ضجيح المدن مثلي، يبدو أن ما يزعجنا ليس الصوت، بل غياب الحياة من هذا الصوت!