مرحبًا يا رفاق،

اسمحوا لي أن أبكي كلماتٍ باتت تحرقني كلما مررت بها. عكفتُ الأيام الماضية على قراءة إحدى أعمال الكاتب العظيم «سعود السنعوسي»، وتحديدًا ساق البامبو؛ هذا العمل الدسم الذي يجعل خلايا جسدك مفتعلةً ومتفاعلة مع كل شعور زرعه الكاتب بين كلماته. في الحقيقة، ترددت كثيرًا، ربما بقدر حيرة هوزيه وأكثر. هل أُبالغ إن قلت: «نبت في داخلي غضبٌ كبير، كبيرٌ إلى حدٍ لا يمكن لقلبي احتماله»؟

أكوام من الغضب لكل أنصار الطبقية، وأطنان من الاحتقان والتوتر لكل من ترك ذاته لقيود مجتمعٍ عقيم يقيده، وفي الوقت ذاته أحمل الكثير من مشاعر العطف لكل تائهٍ يبحث عن ذاته. «هوزيه» أو كما يُطلق عليه في المجتمع العربي «عيسى» ذاك الشخص الجريح، وجرحه يكمن في وطنه.

أتساءل دومًا: كيف يلفظ الوطن أبناءه؟

تتسع حدقة عيناي وأنا أرى عيسى يبحث عن الله في قلبه، بعدما خطا بين رحاب الكنائس والمعابد والكثير من الطرق، إلى أن انتهى به المطاف يطلب ثبات البوصلة في أحد مساجد الكويت، وهو يردد: «أريد أن يسكن الله قلبي مثلما سكن قلب عمتي».

أشعر بالخدر وأنا أرى عائلة الطاروف تتخذ من أحكام الناس حدودًا وسجونًا، وأتساءل: كيف لشخصٍ أن يرتعب من حُكم أناسٍ آخرين عليه؟ أحاول جاهدة ألا أجعل كلماتي تحرق أحداث هذا العمل الرائع، مثلما أحرقت كلماته قلبي، لكنك ترى من خلال الكاتب الطبقية بالمفهوم الحديث، والرجاء بشكله العفوي الجميل، والبحث عن الله في أوج الوجود، إلى أن تتأكد من فكرة أن الله إذا أراد لشخصٍ هداية، سكن قلبه.

ثم تتورم عيناك من البكاء على ألم ميرلا، وبين تقلبات الحنين والغضب والألم والحرقة، تجد السلام يعتلي قلبك عندما تُجسِّد الكلمات شخصية «خولة»؛ تلك الفتاة الواعية التي تطمح أن تُكمل رواية أبيها الشهيد. تنتقل في ثباتٍ رهيب بين وصف الكاتب الدقيق للحروب والألم، وتندهش بشدة من وصفه لجنون الشخصية الكويتية، متمثلةً في أصدقاء هوزيه الذين جاءت بهم الصدفة إلى رحاب قلبه.

أحداث كثيرة، ضحكات قليلة، وحيرة بلا حدود. حتى إنني كنت أُعاود قراءة الكثير من الصفحات مراتٍ عدة، حتى يستطيع عقلي هضم معاني الكلمات، وتستطيع عيناي الارتياح قليلًا من آلام البكاء…إلى أن أصل إلى النهاية التي، وإن بدت للجميع سعيدة، سيعاود عقلي تفسيرها على أنها المعنى الأعظم لفكرة: «يكمن الشفاء أحيانًا في ترك ما كنا نظنه حلمًا يتوجب علينا تحقيقه».

#فاطمة_شجيع

١٤ يناير ٢٠٢٦

الأربعـــــــــاء

١:١٨ صـباحًا