من يضع المعايير الأخلاقية؟

ناقشت عدة كتب وروايات موضوع ازدواجية المعايير. ولن نُحدد الآن مسارًا للنقاش من خلال اقتباس أو كتاب بعينه، بل سنتركه مفتوح الآفاق. في الفترة الأخيرة، يتجلى على الساحة العامة مصطلح "ازدواجية المعايير" بكثرة، وهو يعني التعامل بأسلوبين مختلفين مع موقفين متماثلين، فقط بناءً على خلفية أصحاب هذه الأزمات العرقية، أو الدينية، أو الجغرافية.

​والعجيب في الأمر، أن هؤلاء هم أنفسهم من نشروا دعايتهم لسنوات على أسس حقوق الإنسان والحيوان والبيئة والعدالة، ونظروا على الكوكب بأكمله، وأوهموا العالم بأنه يعيش حياة الفوضى والغاب، بينما هم أهل التحضر والتنوير. حتى باتت المعايير معاييرهم، والقيم قيمهم، ونال ذلك الكثير من القبول والاحتفاء من باقي الشعوب. وكان هذا هو الهدف من البداية: أن يكونوا أصحاب المرجعية الأخلاقية، ومن خلالهم نحكم على قيمنا ومعاشنا وتحيزاتنا.

​من يمتلك الإعلام، يمتلك توجيه الرأي العام. ومن يدير منصات التواصل الاجتماعي، يحذف ويُبقي من المنشورات كما يشاء وقتما شاء للهدف نفسه. والسؤال هنا: هل تُراجع معاييرك الأخلاقية ومصادرها باستمرار؟ أم قادتك الدعاية العالمية دون أن تشعر؟


ذكرني هذا السؤال برواية 1984 لجورج أورويل، فكما ناقشت الرواية، تسعى الأنظمة المسيطرة دائما إلى ألا يكون هناك كلمة سوى كلمتها و لا رأي يُعمل به غير رأيها، أما الحقيقة و العدل فهما كالسلطة _في سلسلة روايات أغنية الجليد و النار_ يكونان فعليا حيث يؤمن الناس، فالجموع هي التي تصدّق و تكذّب، و تبجّل و تحقّر، لذا الذي يستطيع السيطرة عليها و توجيهها هو الذي يتحكم بمعنى الأخلاق السائد فعليا في العالم، فمثلا، عندما ننظر إلى حق الفيتو في أي اجتماع للأمم المتحدة، كيف يُعقل أن يكون لأمم بعينها القدرة على إبطال قرار ما حتى و إن وافق عليه العالم بأسره؟ لكن هذا هو القانون هناك و هذا هو المعمول بهو الذي تحميه قوات حفظ القانون سواء أكان أخلاقيا في نظرنا أم لا!

أما الفرد منا اليوم فلا يملك إلا نفسه، أفضل ما يمكننا فعله هو الاستمرار بمراجعة مانؤمن به دوريا حتى لا نغفل و نجد أنفسنا فجأة نتبع فكرا ما لمجرد أنه السائد أولجودة الدعاية عنه، حينها يخسر المرء حتى نفسه، و هي أعظم الخسائر.

إن ممارسة حق النقض (الفيتو) برهان قاطع، لا على ازدواجية المعايير وحسب، بل على انعدامها من الأساس. فالفيتو ليس مجرد أداة رفض، بل هو عقبة دستورية تمنع تطبيق القانون الدولي متى تعارض مع مصالح قوة عظمى. كيف يمكن لقوة أحادية أن تنسف إجماع وتوافق المجتمع الدولي بأسره، وأن تجعل إرادة دولة واحدة أقوى من رؤية الأمم كاملة؟ ​إنها حقاً من أشدّ المفارقات عبثية في منظومتنا الدولية الراهنة. هذا الحق يكرّس مبدأ "القوة فوق القانون"، ويُجمّد أي محاولة إصلاح حقيقية لمؤسسات العدالة العالمية، محوّلاً هذه المؤسسات من أدوات لضمان السلام إلى منصات لشرعنة الهيمنة.