من يضع المعايير الأخلاقية؟

ناقشت عدة كتب وروايات موضوع ازدواجية المعايير. ولن نُحدد الآن مسارًا للنقاش من خلال اقتباس أو كتاب بعينه، بل سنتركه مفتوح الآفاق. في الفترة الأخيرة، يتجلى على الساحة العامة مصطلح "ازدواجية المعايير" بكثرة، وهو يعني التعامل بأسلوبين مختلفين مع موقفين متماثلين، فقط بناءً على خلفية أصحاب هذه الأزمات العرقية، أو الدينية، أو الجغرافية.

​والعجيب في الأمر، أن هؤلاء هم أنفسهم من نشروا دعايتهم لسنوات على أسس حقوق الإنسان والحيوان والبيئة والعدالة، ونظروا على الكوكب بأكمله، وأوهموا العالم بأنه يعيش حياة الفوضى والغاب، بينما هم أهل التحضر والتنوير. حتى باتت المعايير معاييرهم، والقيم قيمهم، ونال ذلك الكثير من القبول والاحتفاء من باقي الشعوب. وكان هذا هو الهدف من البداية: أن يكونوا أصحاب المرجعية الأخلاقية، ومن خلالهم نحكم على قيمنا ومعاشنا وتحيزاتنا.

​من يمتلك الإعلام، يمتلك توجيه الرأي العام. ومن يدير منصات التواصل الاجتماعي، يحذف ويُبقي من المنشورات كما يشاء وقتما شاء للهدف نفسه. والسؤال هنا: هل تُراجع معاييرك الأخلاقية ومصادرها باستمرار؟ أم قادتك الدعاية العالمية دون أن تشعر؟


أختي، موضوعك مهم جدًا وطرحك دقيق، لأنه يفتح نقاشًا عن أصل المعايير الأخلاقية وكيف تُصاغ في عالمنا المعاصر

صحيح أن هناك من يفرض معاييره وقيمه من خلال الإعلام والمنصات الرقمية، ويجعل رأيه هو المرجعية المقبولة، لكن هذا لا يعني أن كل فرد عاجز عن التمييز. الإنسان يستطيع أن يكون واعيًا ويُراجع مواقفه وقناعاته باستمرار، وأن يميز بين قيم مكتسبة بقوة الدعاية وقيمه الشخصية القائمة على الوعي والعقل والضمير

ازدواجية المعايير ليست فقط انعكاسًا للتحكم الإعلامي، بل أيضًا اختبار للوعي الفردي: هل نصدق كل ما يُفرض علينا، أم نعيد تقييم الأمور على ضوء القيم الإنسانية الأصيلة، كالعدل والصدق والرحمة؟

كما أن تحرر الفرد من تأثيرات الدعاية لا يعني الانفصال عن المجتمع، بل التوازن بين الوعي الذاتي والقدرة على التأثر بما حوله بطريقة نقدية، بحيث يصبح لديه القدرة على الحكم العادل دون الانسياق وراء أي دعاية مغلفة بالمصداقية الزائفة

باختصار، معيار الأخلاق الحقيقي ليس ما يُقال لنا لنصدقه، بل ما نختبره ونعيشه في حياتنا اليومية، وكيف نعامل الآخرين بعدل ورحمة. وهذا التوازن بين التأثر الواعي والوعي الشخصي هو ما يجعل الإنسان حُرًا أخلاقيًا وليس مجرد تابع لموجة أو دعاية.

إن مراجعة المعايير وتقييمها باستمرار أمر بالغ الأهمية لسلامة الفرد والمجتمع، يوازيه عبء المسؤولية الشخصية التي تقع على عاتق كل فرد. تتمثل هذه المسؤولية في فرز الأفكار، والتمييز بين المروّج له زيفًا والقيمة الأصيلة الراسخة التي تستحق التبني.

​لكن المؤسف أن الجمهور العريض يميل إلى الاستسهال، ويُفضل راحة البال على مشقة التفكير النقدي والبحث المضني عن الحقيقة. هذا الهروب نحو الراحة العقلية هو في جوهره تنازل عن ملكة التمييز، مما يفتح الباب واسعاً أمام كل فكرة دخيلة أو قيمة مصطنعة لكي تتسلل وتستقر في الوعي الجمعي. ​عندما يتوقف الفرد عن طرح الأسئلة، يصبح مستهلكاً سلبياً لما يُلقى إليه من مسلّمات، فتتحول القناعات إلى إملاءات. إن هذا التهاون ليس مجرد كسل، بل هو تهديد فعلي يضعف البنية الأخلاقية والمعرفية للمجتمع.

لا أظن الإنسان يكون طوال الوقت قادر على التمييز خصوصاً اليوم أخي، فكما ذكرت أي شخص أو جهة لهم القدرة على عرض مرجعيتهم وتصويرها أنها صواب، ومع كثرة صياغة وعرض ذلك يحدث التأثير عند المتلقي وهنا قد تختلط الحقيقة مع الخطأ فنجهل ما هو الصواب ولا نعرف كيف نحكم، بل والاسوء أنه قد نحب أو نعجب بمن يعرض مسار معين لذلك نسير خلفه دون تقييم ما ينتهجه !