الحرية، ما هي؟

يقول الروائي أنطونيو سكارميتا: "أنت تعرف ما الذي تريده، وتعي وجوده، إن وعيك يعطيك الحرية". أثار هذا الاقتباس تفكيري في ماهية الحرية، وكيف وصفها بأنها وعي؛ فهذا الفهم للحرية عميق وهام، لأن الإنسان لا يكون حرًا بلا وعي. فالإغفال قيد أعمى، والوعي أيضًا ليس حرية مطلقة، ولكنه قيد مختار ومفهوم.

​فمفهوم الحرية واسع وعميق، ولا يمكن اختزاله في جانب واحد. لا أعتقد أن البشر سيتفقون على تعريف واحد له يومًا، ولكن أحد أهم أوجه مفهوم الحرية هو أنها ليست تمردًا على القيود، بل فهمًا لهذه القيود ومصادرها والهدف منها. ومن ثم تُحدَّد القيود التي تحفظ وتكفل حقوق الإنسان والآخرين، وتُترك تلك التي تأتي بعبودية واستبداد مُغلَّفة في معانٍ أخرى.

​الحرية ليست ثورةً على كل قيد، وفرارًا منفعلًا من الجماعة، فما تُفضي بصاحبها إلا إلى سطوة أشد قيدًا وأقل رشدًا. ​الحرية التي ننشدها هي حرية متعقلة، تفهم القيود قبل أن تحطمها، وتدرك مبتغاها قبل أن تثور عليها. حرية تنعم بـالعقل، والفكر، والاطلاع؛ حرية في أن ترفض وتقبل، تحلل وتفسر، تقول أو تُحجم.

سؤالي كيف ترون الحرية؟ وكيف يمكن أن نحصل عليها؟


الحرية في رأيي ليست مجرد حالة نصل إليها، بل هي مسار مستمر من الوعي والاختيار. فالإنسان حين يعي ذاته، ويعي ما حوله، يبدأ في التحرر من أوهام كثيرة كانت تقيده دون أن يدري. لكن الحرية لا تعني أن نفعل كل ما نشاء بلا حساب، بل أن نعرف لماذا نفعل، وما الأثر الذي يتركه فعلنا على أنفسنا وعلى غيرنا

أعتقد أن الحرية الحقيقية تولد من داخل الإنسان، حين يمتلك الشجاعة ليختار، والحكمة ليتحمل نتيجة اختياره، والعدل في أن لا يعتدي بحريته على حرية الآخرين. هي التوازن الصعب بين الرغبة الشخصية والمسؤولية المجتمعية، بين الاندفاع والوعي

أما كيف نحصل عليها، فأراها تبدأ من أمرين: المعرفة والعدل. بالمعرفة نتحرر من الجهل الذي يقيدنا بأغلال غير مرئية، وبالعدل نحمي الحرية من أن تتحول إلى فوضى أو استبداد. الحرية إذن ليست منحة من أحد، بل ثمرة وعي نزرعها في أنفسنا ومجتمعنا كل يوم.

إن فكرة الربط بين الحرية والعدالة أمر محوري للغاية. فالحرية المجردة من منظومة القوانين والعدالة، تتحول إلى فوضى شاملة تسلب كل فرد حريته، كونها تمنح القوة للفرد الأقوى على حساب الأضعف. ​ولهذا، لا ينبغي النظر إلى القوانين والتشريعات على أنها قيود خانقة، بل هي آلية لتنظيم هذه الحرية وضمانها للجميع، وكبح لكل ما يعيق مسارها الأصيل. إنها جوهر العقد الاجتماعي الذي بموجبه يتنازل الفرد طوعاً عن جزء من حريته المطلقة لضمان حصوله على قدر كبير ومحمي من الحرية المنظمة. ​أما التجاوز المتعمد لتلك القوانين، أو التعدي عليها والتلاعب بروحها، فهو الخطر الحقيقي الذي يتربص بالحرية ذاتها.