المثقف وأزمة المصطلحات وتعقيد المفاهيم.

يقول غسان كنفاني: "ليس بالضرورة أن تكون الأشياء العميقة معقّدة. وليس بالضرورة أن تكون الأشياء البسيطة ساذجة. إن الانحياز الفنّي الحقيقي هو: كيف يستطيع الإنسان أن يقول الشيء العميق ببساطة".

​هذا القول يؤكد على أهمية الابتعاد عن التعقيد في الطرح، ومحاولة الاقتراب من فهم الناس لتحقيق الفائدة المرجوة من النص.

​ينتشر -في الأوساط الثقافية تحديدًا- رغبة في التعقيد واستخدام المصطلحات بشكل مفرط، حتى وإن لم تكن هناك حاجة حقيقية لها، فقط لأن ذلك يبدو أكثر عمقًا أو علمًا، وهذا ظنّ مضلل للغاية؛ لأن الهدف من الكتابة أو الحديث هو إيصال المعلومة، فإن لم يفهمها المتلقي فقد أخفق صاحب الحديث.

​وهنا نحن لا نتحدث عن الأطروحات العلمية أو الأكاديمية التي تتطلب أسلوبًا محددًا في الكتابة ولا يقرؤها إلا المتخصصون، بل نناقش ظاهرة عامة، حتى أن من يكتب في الصحف والمجال العام يفضلها وكأنها الأفضل. والحقيقة أن النص لا يستمد عمقه من التعقيد، بل من الفكرة التي يقدمها، والأدلة، والحجج، والرؤية، واستخدام المفردات في مكانها الصحيح دون تكلف.

​فما سبب هذه الظاهرة؟ وهل تحتاج الفكرة العميقة إلى مصطلحات معقدة؟ أم تتفقون مع معيار غسان كنفاني؟


التعليق السابق

​أعتقد أن للطرفين دوراً حيوياً في نجاح عملية التواصل المعرفي. ​أولاً، يجب على الكاتب أن يسعى جاهداً، دون إخلال بجوهر المعلومة أو دقتها، إلى تبسيط المادة وشرحها وتقريبها للقارئ. يتطلب هذا جهداً في اختيار الأسلوب المناسب، وضرب الأمثلة، وتنظيم الأفكار بطريقة سلسة وممنهجة؛ فالهدف هو إيصال الفكرة وليس تعقيدها.

​وعلى الصعيد الآخر، يجب على القارئ أن يكون طرفاً فاعلاً في هذه العملية. عليه أن يحاول فك شيفرات ما لا يفهمه أو ما يجده غامضاً، بدلاً من الاستسلام الفوري للصعوبة. إن بذل هذا الجهد في البحث والتحليل والربط هو بالتحديد ما يجعله يرتقي بمستواه القرائي والمعرفي، وينقله من مجرد متلقٍ سلبي إلى مشارك نشط ومستوعب حقيقي للمعرفة.