“إن مهمةَ المترجم هي تحرير اللغة النقية الكامنة في عمل ما من سيطرة لغة أخرى، وإطلاق سراحها بلغته الخاصة”. هكذا وصف والتر بنيامين عملية الترجمة. فالترجمة ليست مجرد نقل للكلمات، بل هي جسر بين الثقافات، وبها تُصقَل العلوم وتنهض الأمم.
دائما ما نجد أن تقدم حضارة معينة في التاريخ كان مرتبطًا بتعزيز حركة الترجمة، لما يمثله ذلك من فائدة في الاطلاع على علوم الآخرين، والإضافة إلى الخلفية المعرفية، وتوفير مصادر هامة للعلماء والمفكرين. كما أن الأدب المترجم يفتح آفاقًا جديدة للقراء في التعرف على ثقافات أخرى، بل والاقتراب من أفرادها وتفهم بنيتهم الاجتماعية وأوجه الحياة لديهم. ولكن دائمًا ما يشعر القارئ بوجود حلقة مفقودة بينه وبين النص الأصلي، فالكتابة تأخذ من نفس الكاتب وشعوره، وانتقاء الكلمات له لونه الخاص، ومهما بلغ المترجم من الإتقان، سيظل القارئ يشعر بالغربة مع الكاتب الأصلي، ويفقد تلك الألفة التي تُعقد بين القارئ والكاتب، لأن هناك وسيطًا دخل في منتصف تلك العلاقة وشكل جسرًا ليس بالضرورة أن يكون بصلابة التواصل المباشر.
هناك العديد من الأدباء العظماء الذين برعوا في الترجمة، مثل المنفلوطي، لدرجة أنني أتفاجأ بأن الكتاب مترجم في الأصل، أو بمعنى أدق "مُعَرَّب". وهنا تأتي النقطة التي توضح أن هؤلاء الأدباء قد أخذوا القصة وقاموا بسردها بأسلوبهم الخاص المستقل تمامًا، وهو ما فعله ابن المقفع في كتاب "كليلة ودمنة". ولكن تظل تلك العملية بعيدة عن الترجمة المباشرة وتجعل المسافة بين القارئ والكاتب الأصلي أبعد بكثير. لذلك، تبقى الترجمة، بما فيها من عبقرية وأهمية، عملية تُبْعِدُ فيها براعة المترجم بين القارئ والكاتب.
التعليقات