أول مقتطف من روايتي الأولى " جمهورية بروكا و فيرنيكه"

ZAROUALI

السلام عليكم إخوتي... أخواتي...في مجتمع حسوب الذي افتقدته كثيرا...

لقد غبت مرغما عن عائلتي الافتراضية الحسوبية بسبب ظروف مهنية استثنائية أبعدتني عنكم.

يشرفني و يسعدني أن أخبركم بقبول أول عمل روائي لي من قبل دار نشر في مصر الحبيبة، و سيتم عرضها إن شاء الله في معرض القاهرة الدولي للكتاب ٢٠٢٣.

أحببت أن أشارككم مقتطفا قصيرا و أوليا من الرواية التي أسميتها " جمهورية بروكا و فيرنيكه " ، و التي تتحدث عن الغزو اللغوي الأجنبي الذي تعرض له دماغ الشاب العربي، بطريقة إسقاطية على جزئي الدماغ البشري المسؤولين عن إنتاج اللغة...

في انتظار رأيكم و تفاعلكم، أشكركم جزيل الشكر على وقتكم الكريم المخصص لقراءة هذا المقتطف الأولي، الذي ستليه بإذن الله تعالى مقتطفات أخرى...

" ملعونة هي الحرب، و ملعون كل من يسعي في إشعال فتيل نيرانها. ألسنة لهيبها متعدية لا ترحم أحدا. تأتي على اليابس فتحيله بحرائقها رمادا، و تفترس الأخضر بفكي قيظها فتجعله سوادا .

لعنتها الأزلية لا تستثني أحدا، تطارد الناس في كل مكان و زمان. شريكة وفية لملك الموت، تسير حافية القدمين على دربه و يقتفي أثرها قبل أن تمحوه رياح السلام، لا تترك الخلق أبدا ما لم تخلف منهم الصرعى و الجرحى.

كل دقة من دقات طبولها تهاجم آذان الناس بلا هوادة، بمناجق الخوف تدمر حصون معنوياتهم المتصدعة أصلا، و تنشر جنود الرعب بين قلوبهم، فينتشرون فيها إنتشارهم التاكتيكي في ساحة الوغى.

لعل الدمار وحده من ينتشي بالفوز في كل حرب خيضت على وجه هذه البسيطة. و حق له أن يفتخر بنصره المبين. بسبب آثاره المدمرة تتهاوى البنايات الشامخة، لتنبت الأنقاض المتراكمة مكانها. بيديه الملطختين بالدماء تزهق الأرواح البريئة، لتنتشر الجثث المتعفنة و الأشلاء المبعثرة، في الشوارع أكثر مما هو مدفون في المقابر. على جسوره الملغومة تنزح الملايين من الناس من منازلها مجبرة، لتستولي الأشباح و المرتزقة على ممتلكاتها...

أليس منتصرا بالفعل؟ بل إن كل من سواه ليس إلا خاسرا في الحرب، و إن حسب البعض نفسه منتصرا !

ما الذنب الذي اقترفته تلك الضحايا ليدفنوا تحت الأنقاض؟ و ما الخطايا التي ارتكبتها الشعوب حتى تكتوي بنيران الحروب؟

عندما تنكسر الأغلال و تفتح الأصفاد التي طالما كبلت غول الطمع في زنزانة الضمير، تنتشر الأطماع التوسعية انتشار النار في الهشيم. و كلما تفشى الطاعون الأسود للجشع بين أفراد أمة معينة، لن تسلم من أعراضه المميتة كل الأمم الأخرى، حتى تحرق الجثت مخافة انتشار العدوى...

من دون أدنى ريب فإن سرطان الانتهازية، ذلك الورم الخبيث في مراحله المتأخرة، و المنتشر في قلوب القادة السياسيين، هو من يحرك الخيوط الرفيعة لعرائس المقاتلين، و هو أيضا من يتحكم في حركة الجنود و البيادق على رقعة شطرنج الحرب.

تنجذب الغزاة إلى البلدان الغنية بوفرة مواردها و تنوع خيراتها، انجذاب الدب البني إلى العسل. تزعزع الدببة بكل قوتها جدع الشجرة و فروعها. فتسقط خلية النحل متهاوية إلى الأرض و تنكسر.

تخرج الملكة و النحلات العاملات دفاعا عن صغارهن و عن خليتهن. تلتهم الدببة شهد العسل بشهية نهمة، إلى درجة أنها تلعق أصابعها من حلاوة غنيمتها. رغم الفرق في القوة و الحجم، بيد أن النحلات يقاومن بضراوة الدببة المعتدية، لسعاتهن المؤلمة لم تترك شبرا من أجسادها الضخمة إلا و أغارت عليه. يضطر الغزاة إلى الإنسحاب و الهروب، و تبدأ النحلات في إعادة إعمار الخلية.

و كأننا نتحدث تماما عن ما حصل في جمهورية "بروكا و فيرنيكه" و سكانها في غفلة من أمرهم.

*******

《- أخبرني يا جنرال "أبو ستروف"، هل هي جاهزة تلك التي التقارير الاستخبارية التي أمرتك بتحضيرها ؟

مرتديا بدلته الحربية الخضراء و المموهة بالبقع السوداء. رجل خمسيني، خبير عسكري و مخضرم في فنون القتال، نحيف العود، فارع الطول، يلقب دائما بالسيد المجهول. وضع قبعته العسكرية ذهبية الألوان، ثم طرح السيد " إيكس" سؤاله على مخاطبه و عيناه تلمعان من التلهف و الترقب.

- هي جاهزة بكل تأكيد يا سيدي القائد الأعلى لأركان الحرب العامة !

بصوت مازج بين الرهبة و الإحترام، أجابه قائد الاستخبارات العسكرية و دراعه اليمنى. رجل قصير القامة، عالي الهمة، متقد الذكاء، أمين سر القائد الأعلى.

- هيا تفضل بقراءتها علي حالا !

- تقع دولة " بروكا و فيرنيكه " على بعد خمسة عشر كيلومترا أسفل سماء المادة الرمادية، في المنطقة الجنوبية من النصف الأيسر من الكرة الدماغية، بمحاداة الصدع على وجه الدقة. سميت بهذا الإسم لأنها اتحاد هضبتين دماغتين متقاربتين : " بروكا " غربا، و " فيرنيكه " شرقا. تفصل بينهما أخاديد و صدوع عصبية، كما يحفهما محيط "التلافيف العصبية" من جهة الشمال.

- معلومات جد قيمة سيد "أبوستروف" ! و ماذا عن نظام الحكم فيها؟

- نظام حكمها جمهوري برلماني يا سيدي القائد. يتم تعيين رئيس الجمهورية على رأس كل سنة دراسية جديدة. بنود دستورها مستوحاة من المنطق و الدين الإسلامي.

- حسنا ! حدثني الآن عن سكانها و شعبها.

- حسب آخر الإحصائيات الرسمية المتوفرة لدينا يا سيدي القائد، يقدر عدد سكانها بحوالي ٥٠٠ مليون خلية دماغية. يتأثرون بالسهر و قلة النوم، يموتون بالمخدرات و المسكرات. الأغلبية الساحقة من سكانها من القومية العربية، إضافة إلى أقلية أمازيغية. أخبرتني جواسيسنا أنها تتمتع بمواطنتها كاملة،و تعيش في توافق تام مع إخوانهم من العرب.

- أعتقد أن هذه المعلومة الأخيرة ستصعب من مهتنا هناك، خصوصا مخططاتنا الهادفة إلى تفريقهم و تشتيت صفوفهم...دعك من هذا الآن و أخبرني عن مواردها و عن إقتصادها.

- تشتهر " بروكا و فيرنيكه " بالموارد اللغوية الغنية و المتنوعة. فهضبة "فيرنيكه" غنية بمفرداتها الكثيرة و بقاموسها الشاسع. حسب آخر التقارير الاستخباراتية، فقد تمكنت على مر السنين من تطوير منشآت لغوية جد متطورة، أذكر منها : مصانع النحو المتواجدة في الشمال، و المتاجر الكبرى للصرف و التحويل المنتشرة في جميع أنحاء البلاد، و كذا التجمعات الصناعية لتحويل المفردات الخامة إلى منتوجات بلاغية موجهة للتصدير،و التي تتركز في جنوب البلاد.

أما بخصوص هضبة " بروكا"، فقد طورت شراكات استراتيجية مع جارتها الشرقية، و تمكنت في غضون سنوات قليلة من أن تصبح رائدة في مجال الإنتاج اللغوي على المستوى الدماغي. تنتشر فيها أكبر الشركات العالمية لإنتاج و تصدير الكلام نحو مخارج الفم، و إيضا نحو الأنامل الكاتبة.

بفضل تطورها الصناعي و موقعها الاستراتيجي الحساس، إضافة إلى وفرة مواردها اللغوية، أصبحت جمهورية " بروكا و فيرنيكه " تنافس أكبر جيرانها إذ أضحت تلعب أدوارا طلائعية في النظام العصبي.

كل هذه العوامل تجعل منها محط أطماع كل القوى الإمبريالية يا سيدي القائد.

- نحن أولى بها من غيرنا ! " بروكا و فيرنيكه " لنا و لن تكون لغيرنا...ماذا عن خطة الهجوم التي عدلناها في آخر إجتماع، هل هي جاهزة ؟

- جاهزة تماما يا سيدي القائد ! سنكثف من هجومنا البري في منطقة الأذنين،إلى أن نطأ الأنفاق المؤدية إليها. نباغثهم عند نهايتها و نأخذهم على حين غرة في شرق فيرنيكه. من ناحية أخرى، ستقوم طائراتنا المقاتلة بقصف منطقة العينين حتى يتمكن جنودنا من دخول بروكا غربا.

- أظن أننا حقا جاهزون لاحتلال هذه الدولة المثيرة للإهتمام. هيا يا سيد "أبوستروف" ! سجل عندك تاريخ: ١٦ شتنبر ١٩٩٥ ، اليوم هو بداية الحملة العسكرية الفرنسية على " بروكا و فيرنيكه ".》


التعليق السابق

و عليكم السلام و رحمة الله أستاذة فردوس،

أشكرك جزيل الشكر على مرورك الجميل كالمعتاد و كذا على تفاعلك الإيجابي مع المقتطف الأولي و الإدلاء بمجموعة من الملاحظات القيمة و التي بكل صدق قد أثلجت صدري...

قد يبدو العنوان غريبا، لكنه في حقيقة الأمر دعوة خفية إلى البحث عن معنى تلك الكلمات، فمجرد بحث بسيط كفيل بكشف الستار عن المنطقتين الدماغيتين المسؤولتين عن إنتاج اللغة و الكلام...

قد يكون عنوانا مثيرا للفضول...كما قد يكون عنوانا منفرا ( كما هو الأمر في حالتك أستاذتي الفاضلة )، لكن صدقيني فهو أصدق عنوان لتلخيص القصة.

أما بالنسبة لكلمة " التي" فهو مجرد خطأ مطبعي، فقد قمت بنسخ المقتطف من النسخة غير المدققة من الرواية.

كما يؤسفني أنك قد شعرت بالملل في وصفي لبداية الحرب،لكنني أؤكد لك أن الرواية في إجمالها بعيدة كل البعد عن الرتابة و الملل...و ستلاحظين ذلك بنفسك عند قراءتها أو عند قراءة بقية المقتطفات...

شكرا مرة أخرى

أتفق معك في أنّه العنوان الأنسب، و عتدما قرأته في البداية لم أتوقع أنّه اسم موجود حقا و ليس مجرد ترجمة غريبة للغة لاتينية أو ما شابه.

متأكدة أنّ الرواية لن تكون مملة على الإطلاق و أنا متشوقة لقراءتها، و أستغل المناسبة لأعيد التأكيد بكل صدق على أنّها فكرة فريدة جدا من نوعها و أعجبتني للغاية، لذا فلأقل أنني سعيدة أنّ رواية ممتازة عادت للوجود في هذا الزمن، و أرجو ألا تقتصر على معرض القاهرة للكتاب بل تصل أيضا كتابا ورقيا للبلد، و بالتوفيق.

كما اسمح لي أن أزعجك و أطلب منك تنبيهي كلما نشرت مقتطفا جديدا لأنني قد لا أكون متواجدة على الدوام على الموقع بسبب الدراسة.

شكرا مرة أخرى أستاذة فردوس على هذه الكلمات الرقيقة في حقي... و في حق الرواية و فكرتها المركزية...

سأعمل جاهدا على أن تصل الرواية إلى وطني الحبيب المغرب...

وفقك الله في دراستك و في مسيرتك...

سأخبرك بكل فرح و سرور بمجرد تنزيل المقتطف القادم على منصة حسوب.

تحياتي