جهنمية الحياد

"إن أحلك الأماكن في الجحيم هي لأولئك الذين يحافظون على حيادهم في الأزمات الأخلاقية"



قرأت هذه العبارة قبل عام في مطلع رواية الجحيم للروائي الأمريكي "دان براون" وهي عبارة عن بيت شعر للشاعر الإيطالي دانتي، الذي ورد في كتابه الشهير الكوميديا الإلهية، وقد بقي هذا البيت عالقاً تماماً في ذهني.

ففي الرواية مثلًا يطرح الكاتب دان براون مشكلة الانفجار السكاني بقالب شيق ومليء بالمعلومات التاريخية والأدبية والحقائق الحالية في العالم، ويقوم أحد العلماء المهووسين بصنع مادة تسبب فناء جزء كبير من الناس، ووضعها في النهر ليتجرعها المواطنون دون علمهم وقد كان بطل الرواية يحاول فهم طريقة عمل المادة ومحاولة منع هذا العالم من نشر المادة، وهنا تبرز المشكلة الأخلاقية التي لم يستطع البطل الوقوف على الحياد إزاءها.

وبالعودة إلى البيت الشعري فإن السؤال الذي شدني هو: متى يكون الحياد أبشع من الظلم ذاته؟ كيف يمكن للحياد "الموقف السلميّ" أن يتحوّل إلى فعل مشين، يستوجب الجحيم؟ 


أكلت يوم أكل الثور الأبيض، قصة قديمة رويت لنا في سني الطفولة، عن ثلاثة ثيران،ثور أسود، وثور أحمر، وثور أبيض، وأسد قرب مكان عيشهم ومرعاهم، كان الأسد يتربص بهم ليفترسهم، إلا أنه في كل مرة هجم على أحد الثيران الثلاثة، كان الثوران الآخران يقفان في صف أخيهما ويردعان الأسد، حتى بدا للأسد الماكر حيلة أخرى يلتهم بها الثلاثة كل على حدة.

تربص الأسد للحظة يكون فيها الثور الأبيض بعيدا عن الثوران الأحمر والأسود، واقترب منهما، وطلب منهما أن ينصحهما نصيحة، وأنه هذه المرة لن يحاول أن يفترس أي منهما، بل جاء لهما ناصحا أمينا.

فقال لهما، إن الثور الأبيض يظهر بوضوح في ظلمة الليل الحالك، وإن الصيادين يرونه حين يأتون للبحث عن صيد ثمين، وإني أرى أن تخلياني فأقتله، فأبعد عنكما وعني شر الصيادين . وافق الثوران ، ولسان حال كل منهما يقول، لا علاقة لي الآن، المهم أن يسلم رأسي من الصيادين والأسد، ومعي ثور آخر أحميه ويحميني، فهجم الأسد على الثور فافترسه، ثم أكله.

وبعد مدة، عاد الأسد إلى الثور الأحمر، يوسوس له كشيطان ماكر، أن الثور الأسود مثل لون الليل الحالك، وأنه مختلف اللون عن الأسد والثور الأحمر، وإن الأسد يرغب أن ينصب نفسه ملكا على الأسود، ويكون للثيران والمرعى ملك، فإنه يرى أن ملكا مثل لونه، يمكنه أن يعقد معه سلاما دائما ، وما كان من الثور الأحمر، إلا أن قال : سلم رأسي، وهذا الأسد يريد الصلاح لي، فوافق فانقض الأسد على أخيه وقتله، ثم انفرد بالثور الأحمر، وقال : قد جاء دورك أيها الأبله، فردد الثور الأحمر قائلا :

أكلت يوم أكل الثور الأبيض

إن هذه تاقصة البسيطة تلخص ما عنيته، فرغم عدم اشترك الثور الأحمر والأسود في قتل الثور الأبيض، إلا أنهما بوقوفهما على الحياد خسرا حياتهما.