أمن الأفضل أن أكون شفافًا أم معتمًا؟ فكرة من رواية كائن لا تحتمل خفته

تذكرت في هذه الليالي الشتوية نقاش من رواية كائن لا تحتمل خفته لميلان كونديرا

 النقاش كان بين شخصيتين مرتبطين في علاقة عاطفية شديدة الغرابة يخفيانها عن الآخرين وقد كان عن الشفافية.

 الشخصية الأولى ترى أنه من الأفضل أن نكون دائمًا واضحين وصريحين ما نخفيه هو ما نظهره وأن الحرية تكون عندما تعيش كأنك تعيش في منزل من زجاج لا يستطيع أحد أن يمسك عليك هفوة أو ذلة. لذلك فإن العلاقة المختفية على سبيل المثال تؤرق هذه الشخصية كثيرًا ويكفي شعورها بالذنب والخطأ من وجود شيء عليها إخفاؤه.

وترى الشخصية الثانية أنه من الأفضل أن يرى الآخرون ما نود أن يروه ونظهر جزءًا بجزء معتمدًا على من نحادثه وتبقى أنفسنا الحقيقية مختفية في الظل لا يراها أحد. تلك هي الحرية الحقيقية. لذلك فإنها تشعر بالراحة كون لا أحد يعلم عنها شيئًا فلا أحد يستطيع الحكم عليها أو وضعها في قوالب أو افتراضات!

هل تعتقدون أن علاقة بين شخصيتين مختلفتين هكذا ممكنة؟

في الواقع لم تدم العلاقة بين الشخصيتين حيث عندما قررت الشخصية الأولى نشر قصتهما على الملأ لم ترى الثانية مجالًا سوى الهرب من عالم يعرف عنه الآخرون كل شيء وهذا مما يعجبني في كونديرا حيث أنه يعرض وجهات النظر بطريقة تجعلك تفكر في النتيجة القادمة وتتوقعها قبل أن تحدث. 

 ترى الشخصية الثانية أن الشخصية الأولى طيبة ساذجة وحمقاء وترى الشخصية الأولى أن الثانية خبيثة متلونة وغير صادقة لا أمام نفسها ولا أمام الآخرين وأنا أرى الشخصيتين مخطئتين. 

 ولكن ماذا ترون أنتم؟ ماهي الطريقة الصحيحة التي نظهر بها أمام الناس؟ وأي من هاتين الفكرتين تميلون إليها في تعاملاتكم اليومية؟ 


وترى الشخصية الثانية أنه من الأفضل أن يرى الآخرون ما نود أن يروه ونظهر جزءًا بجزء معتمدًا على من نحادثه وتبقى أنفسنا الحقيقية مختفية في الظل لا يراها أحد

هذا هو الاوفق بكل تأكيد فليس من الذكاء أن اطلع الناس ابدا على ما يدور بداخلي سواء تجاههم او تجاه الآخرين، لإن في النهاية الناس محاسبون على أفعالهم وليس على ما يضمرونه.

فكم من مرة غضبت من مديرك في العمل أو صاحبك المقرب او حتى والديك، وهذا الغضب قد يجعل لسانك مرا او فظا لبرهة من الوقت، فهل من المنطق ان تعلن هذه الفظاظة او تباغتهم برد فعلك الكريه لمجرد ان تدعي الشفافية؟

إن الوحيد الذي يطلع على النيات وخفايا القلوب هو الله تعالى ولذلك فهو الذي يحاسب الناس على نياتهم.

كما أنه تعالى حث على إخفاء الذنوب وعدم المجاهرة بها في حالة فعلها خاصة وقد سترها تعالى عن سائر الناس عسى ان تتعظ وتشكر ستره عليك وتبدأ في محاسبة نفسك.

لإن في النهاية الناس محاسبون على أفعالهم وليس على ما يضمرونه.

فعلًا أوافقك الرأي وقد ذكرني كلامك بأحد مسلسلات الأنمي التي شاهدتها حيث كانت هناك مدينة يعرف فيها الناس ما يدور في رؤوس الآخرين عن طريق مشروب معين. وما إن شربه الناس حتى كرهوا بعضهم البعض جميعًا وعاشوا في أماكن تبعد مسافات كبيرة بطريقة لا يمكنهم فيها الاستماع لعقول بعضهم البعض. وكان هدف الحلقة أن تقول أن هؤلاء الناس هم نفس الأشخاص وهم يحبون بعضهم حقًا لكن لا ينبغي لنا أن نعرف كل ما يدور في عقول الآخرين فهذه معرفة لن تفيد.