19

كيف يمكننا القول أننا استفدنا من قراءة الكتب، إن كنا ننسى معظم الذي قرأناه؟

في العام الماضي طلبت مني زميلتي في العمل بعضاً من الكتب لقرائتها على اختلاف تخصصاتها وقد قمتُ بإعاراتها مجموعة مميزة بين كتب فكرية خفيفة هدفها المعرفة وكتب أدبية روائية حتى لا تَمل كبداية.

قمت باستعادة هذه الكتب مؤخراً حيث أنها أنهتهم في فترة جيدة لكنها توقفت وعندما سألتها لماذا قالت لي أنها نَسَت محتوى الكتب التي قرأتهم في بداية العام وأنه ما فائدة الاستمرار بالقراءة إن كنا فعلياً لا نذكر إلا نسبة ضئلية من الكتاب.

هذا جعلني أفكر في إن كنا محكومين بتذكر ما في داخل الكتب لنقول أننا استفدنا منها؟

في عام 1896 الشاعر والفيلسوف الأمريكي رالف والدو إمرسون قال: "أنا لا أستطيع أن أتذكر الكتب التي قرأتها، تماماً كما لا أتذكر وجبات الطعام التي تناولتها، ورغم ذلك فهي التي شكلتني."

ووقتها لفت هذا البيان مجتمع الأدباء فقالوا كيف لفيلسوف وشاعر أمريكي يعتبر من أهم الأدباء في تلك الحقبة أن يقول مثل هذا الشيء؟ كيف يقول أنه نسي الكتب التي قرأها؟

لكن إن سألنا أنفسنا هل نذكر فعلاً ما نتناوله يومياً من أطعمة؟ بالطبع لا! رغم أن دورها أساسي في مدّ أجسادنا بالطاقة والحركة.

وهذا ما قصده إمرسون فيما أعلنه لاحقاً كتوضيح، فالكتاب يضيف إلينا المعرفة من خلال الرؤية الكاملة لها، وهذه المعرفة لا يمكن أن تذهب سدى لأنها ستخرج لاحقاً لإسناد شخصياتنا ومساعدتنا في مواجهة التحديات وفهمها وتحليلها حتى لو نسينا مضمونها.

وأتذكر هنا قول الكاتب المصري أنيس منصور في كتابه من نفسي، "ﻻ ﺷﻲﺀ ﻳﻀﻴﻊ، ﻛﻞ ﻣﺎ ﺗﻘﺮﺅﻩ ﻳﻔﻴﺪﻙ، ﻭﻛﻞ ﻣﺎ ﺗﻘﺮﺅﻩ ﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻗﻚ ﺃﻧﺖ ﻻ ﺗﻌﺮﻑ ﺃﻳﻦ ﻳﺒﻘﻰ، ﻭﻻ ﻛﻴﻒ، ﻭﻻ ﻣﺘﻰ ﻳﻈﻬﺮ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ، ﻭﻟﻜﻨﻪ ﺳﻮﻑ ﻳﻨﻔﻌﻞ ﻭﺳﻮﻑ ﻳﻈﻬﺮ".

وعلى صعيد شخصي حين يقوم أحد بسؤالي عن قراءة كتاب معيّن ويُسميه لي، فأُجيب أنني "لم أقرأه" وأكتشف بعدها ما إن يتحدث عنه بمزيد من التفاصيل أنني قرأته في فترةٍ ما من حياتي قبل سنوات! إلا أنني لا أتذكر.

وأنه لولا وجود الملاحظات التي أضعها وأكتبها على هوامش الكتب لَمَا تذكرت معظم محاور الكتب التي قرأتها!

لكنّي أردت معرفة وجهات نظركم حول الأمر، هل تتذكرون معظم ما تقرأون؟ وكيف تظهر استفادتك من الكتب إن كنت تنسى محتواها؟ وهل هناك طرق محددة تستخدمها لمساعدتك لاحقاً في التذكر؟


التعليق السابق

صحيح لكن ليس بالمعنى الصارم، أي أن يأخذه كشيء إلزامي يعمل به في حياته

أجل، ولهذا أقول أنّنا نحتاج إلى التفكير في ما نقرأه، علينا أن نحاول تطبيق ما نتعلمه لنصبح أفضل، لكن علينا ألّا نتّبع الكاتب في كل ما يقوله، فذلك تقليد أعمى وليس اجتهادا، والكاتب مجرد بشري، قد يخطئ في تفكيره وتحليله للأمور، لكن هناك كذلك مسألة أخرى هنا، أنختلف مع الكاتب لمجرد أن ما يقوله يخالف نظرتنا للواقع؟ أم أنّنا نملك حُجَجًا مقنعة نخالفه بها؟ لا يمكن أن نقول أن الكاتب قد أخطأ دون أن نفهمه أولا، ودون أن نملك حججا قويّة تدعم رأينا ثانيًا، وهذا يحتاج إلى الكثير من التعلم والاجتهاد، هذا ما أراه والله أعلم. أيبدو لك هذا منطقيًّا؟ أم أني أخطأت في تفكيري؟

ثم أن يكون الأمر طوعياً متسرباً للنفس والروح طالما أن عادة القراءة عادة حرّة، فـسوف تتجلي الإفادة بشكلٍ أعمق في النفس.

تقولين بهذا أننا نحتاج إلى الاستمتاع بالقراءة حين نقرأ، وأن تكون قراءاتنا طوعًا لا كرهًا، هل فهمتُ قصدك؟ إن كنت تقصدين هذا فإنّي أتّفق جزئيًّا، وأملك مسألة أحتاج إلى رأيكِ فيها، متى يجب أن نقرأ لمجرد أننا نستمتع بالقراءة، ومتى علينا أن ندفع أنفسنا للقراءة بالإجبار؟ إن لم نُجبر أنفسنا على أشياءٍ في البداية دون الاستمتاع فلن نفعل شيئا، إذا أجبرتُ نفسي على القراءة فإنني لا أستمتع في البداية، لكن بعد مدة من القراءة تأتيني المتعة، أحيانا علينا أن نجبر أنفسنا، أليس كذلك؟ لكن الإجبار والإكراه قد يزيدان لدرجة أننا قد نكره القراءة وننفر من الكتب، لا أدري، ما رأيك؟ كيف نوازن هنا؟ هل تجبرين نفسك أحيانا على ترك الأنترنت وفتح كتاب لقراءته؟ وهل تجدين نفسك أحيانا مع كتاب بدأ جيّدًا وممتعًا، ليتحوّل إلى كتاب مملّ وثقيلٍ في منتصفه، ثمّ تفكّرين في تركه وقراءة آخر، هل يحدث معك هذا؟ ما العمل في هذه الحالة؟ أتتركين الكتاب إن لم يعجبك لتنتقلي إلى آخر؟ أم أنّك تجبرين نفسك على الاستمرار؟ أم أنّ طريقة اختيارِكِ للكتب تضمن لك عدم الوقوع في هذا؟

غالباً ما أقرأ نهاية اليوم لثلاث ساعات متواصلة.

هذا مدهش! يبدو أنك مواظبة حقا بارك الله فيك، أتمنى الحصول على مثل مثابرتك.

كانت رائعة حتى أشعر أنني بحاجة لقرائتها مجدداً.

هل تعيدين قراءة الكتب التي أثّرت فيك؟ أعدتُ قراءة كتاب "كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس" عدة مرات لقصصه الجميلة وأسلوب الكاتب البديع، ولأنه يحتوي على نصائح قيّمة وجدت أني لم أكن أعمل بها في حياتي، ولا أزال أحاول العمل بما فيه أكثر وأكثر. وكما قلتُ سابقا، أرى أن التكرار وسيلة مهمة لمحاربة النسيان، رغم أن معظم الناس سيتعجّبون قائلين: "ماذا؟؟ أقرأُ نفس الكتاب؟ مجدّدا؟ ما الفائدة من إعادة قراءة كتاب سبق لي وأن قرأته؟" وهذه ردة فعل طبيعية، لأننا دائما ما نسعى للجديد. ما رأيك في إعادة قراءة نفس الكتاب؟

قد أكتب فعلاً عن هذا قريباً هنا

لا أعرف شيئا عن أدب الرسائل، لذا أرجو أن تفعلي لتعرّفينا عليه. ما أفضلُ ما قرأتِ فيه؟

أنختلف مع الكاتب لمجرد أن ما يقوله يخالف نظرتنا للواقع؟ أم أنّنا نملك حُجَجًا مقنعة نخالفه بها؟ لا يمكن أن نقول أن الكاتب قد أخطأ دون أن نفهمه أولا، ودون أن نملك حججا قويّة تدعم رأينا ثانيًا، وهذا يحتاج إلى الكثير من التعلم والاجتهاد، هذا ما أراه والله أعلم. أيبدو لك هذا منطقيًّا؟ أم أني أخطأت في تفكيري؟

أعتقد أنه لا يجب أن نخاف من الفكر المختلف عن فكرنا، بل من الجيّد أن نطّلع على نهج جديد في التفكير ووجهات نظر مختلفة، وهذا ما أظنه الهدف من الأدب والكتب بشكلٍ عام، هو أن يضيف لك صورة غير تلك المصورة في عقلك، لكن هنا نأتي لنقطة هامة وهو قدرة الشخص على تشكيل شخصيته القرائية دون أن ينجرف لكل الأفكار بشكلٍ أعمى، وهذا غالباً لا يحدث مع القارئ العارف بضرورة وجود رأي ومساحة مختلفة عمّا يطرحه الكتاب فيفهم موقفه وإن قرر تبني فكرة ما وإضافتها إلى رصيده الفكري فهو ينقدها ويعلم مناسبتها لنفسه ويسقطها على واقعه إلخ..

لكن للأسف الكثير ينجرف اليوم للأفكار لمجرد أنها أفكار غريبة دون مقاربتها أو نقدها أو حتى فهم الهدف من وراءها.

متى يجب أن نقرأ لمجرد أننا نستمتع بالقراءة، ومتى علينا أن ندفع أنفسنا للقراءة بالإجبار؟

أرى أن أي قارئ يمر بتلك الفترة، حيث يفقد رغبته في القراءة بسبب خلل في التركيبة الداخلية التي تدفعه غالباً للقراءة وقد تشمل هذه التركيبة "ظروف حياتية، مزاج عام إلخ.."، وأعتقد أنه أمر عاديّ ومع الوقت نشعر بحاجتنا للعودة لأن شعور الفضول التي تَشكّل في عقولنا طوال الفترة الماضية سيحدثها مجدداً على فعل القراءة.

أمّا إن كان هذا الإجبار عامل أساسي في القراءة فأظن انه هناك شيء ناقص كأن تكون الكتب التي تقرأها غير ملائمة وشبيهة للأمور التي تهتم بها.

على صعيد شخصي نعم هذا يحصل معي، لكنه الآن قليل بالنسبة للسنوات الماضية، حيث أنني أكثر دراية بمجالات الكتب التي تهمني ويحدث من وقت لآخر بأن أجبر نفسي على إكمال كتاب لأنني لا أحب أن أترك أي كتاب في المنتصف وغالباً ما ألجأ في هذه الحالة للقراءة السريعة، أما بشكلٍ عام فلا أجبر نفسي على القراءة كفعل قسري أبداً، أعطي لعقلي وقته في العودة مجدداً.

هل تعيدين قراءة الكتب التي أثّرت فيك؟ وهذه ردة فعل طبيعية، لأننا دائما ما نسعى للجديد. ما رأيك في إعادة قراءة نفس الكتاب؟

أجل أفعل، ولكن بفترات زمنية متباعدة ومناسبة لحاجتي لتذكر الكتاب من جديد، قرأتُ كتاب الضوء الأزرق للكاتب حسين البرغوثي ثلاثة مرات، كذلك المجموعة القصصية موت سرير رقم 12 للكاتب غسان كنفاني أربعة مرات، على سنوات مختلفة، لكن لا أحاصر نفسي بالإعادة دون الاستمرار بقراءة شيء جديد، لذلك أرى أنها تفضيلات شخصية، على الآخرين من حولنا احترامها، تجد الكثير يعيدون مشاهدة نفس الأفلام مثلاً وهذا أمر طبيعي، يمكن أن يحدث لقراءة الكتب.

لا أعرف شيئا عن أدب الرسائل، لذا أرجو أن تفعلي لتعرّفينا عليه. ما أفضلُ ما قرأتِ فيه؟

سأفعل قريباً إن شاء الله وأعرض بعض الثنائيات الجيدة في هذا الأدب.