في العام الماضي طلبت مني زميلتي في العمل بعضاً من الكتب لقرائتها على اختلاف تخصصاتها وقد قمتُ بإعاراتها مجموعة مميزة بين كتب فكرية خفيفة هدفها المعرفة وكتب أدبية روائية حتى لا تَمل كبداية.
قمت باستعادة هذه الكتب مؤخراً حيث أنها أنهتهم في فترة جيدة لكنها توقفت وعندما سألتها لماذا قالت لي أنها نَسَت محتوى الكتب التي قرأتهم في بداية العام وأنه ما فائدة الاستمرار بالقراءة إن كنا فعلياً لا نذكر إلا نسبة ضئلية من الكتاب.
هذا جعلني أفكر في إن كنا محكومين بتذكر ما في داخل الكتب لنقول أننا استفدنا منها؟
في عام 1896 الشاعر والفيلسوف الأمريكي رالف والدو إمرسون قال: "أنا لا أستطيع أن أتذكر الكتب التي قرأتها، تماماً كما لا أتذكر وجبات الطعام التي تناولتها، ورغم ذلك فهي التي شكلتني."
ووقتها لفت هذا البيان مجتمع الأدباء فقالوا كيف لفيلسوف وشاعر أمريكي يعتبر من أهم الأدباء في تلك الحقبة أن يقول مثل هذا الشيء؟ كيف يقول أنه نسي الكتب التي قرأها؟
لكن إن سألنا أنفسنا هل نذكر فعلاً ما نتناوله يومياً من أطعمة؟ بالطبع لا! رغم أن دورها أساسي في مدّ أجسادنا بالطاقة والحركة.
وهذا ما قصده إمرسون فيما أعلنه لاحقاً كتوضيح، فالكتاب يضيف إلينا المعرفة من خلال الرؤية الكاملة لها، وهذه المعرفة لا يمكن أن تذهب سدى لأنها ستخرج لاحقاً لإسناد شخصياتنا ومساعدتنا في مواجهة التحديات وفهمها وتحليلها حتى لو نسينا مضمونها.
وأتذكر هنا قول الكاتب المصري أنيس منصور في كتابه من نفسي، "ﻻ ﺷﻲﺀ ﻳﻀﻴﻊ، ﻛﻞ ﻣﺎ ﺗﻘﺮﺅﻩ ﻳﻔﻴﺪﻙ، ﻭﻛﻞ ﻣﺎ ﺗﻘﺮﺅﻩ ﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻗﻚ ﺃﻧﺖ ﻻ ﺗﻌﺮﻑ ﺃﻳﻦ ﻳﺒﻘﻰ، ﻭﻻ ﻛﻴﻒ، ﻭﻻ ﻣﺘﻰ ﻳﻈﻬﺮ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ، ﻭﻟﻜﻨﻪ ﺳﻮﻑ ﻳﻨﻔﻌﻞ ﻭﺳﻮﻑ ﻳﻈﻬﺮ".
وعلى صعيد شخصي حين يقوم أحد بسؤالي عن قراءة كتاب معيّن ويُسميه لي، فأُجيب أنني "لم أقرأه" وأكتشف بعدها ما إن يتحدث عنه بمزيد من التفاصيل أنني قرأته في فترةٍ ما من حياتي قبل سنوات! إلا أنني لا أتذكر.
وأنه لولا وجود الملاحظات التي أضعها وأكتبها على هوامش الكتب لَمَا تذكرت معظم محاور الكتب التي قرأتها!
لكنّي أردت معرفة وجهات نظركم حول الأمر، هل تتذكرون معظم ما تقرأون؟ وكيف تظهر استفادتك من الكتب إن كنت تنسى محتواها؟ وهل هناك طرق محددة تستخدمها لمساعدتك لاحقاً في التذكر؟
السلام عليكم،
شكرا لك يا دينا على فتح هذا الموضوع، فكرت كثيرا فيه ولا أزال أفكر في مسألة "كيف أتعلّمُ بأنفع طريقة ممكنة؟".
النسيان ملازم لنا كبشر، وقراءة الكتب لا تنفع في كثير من الأحيان، ولا نستفيد منها إلا 10% أو أقل، لكن هذا أفضل بكثير من ترك القراءة وتضييع الوقت في أمور تضر ولا تنفع، فالاستفادة من جزء من هذا الكتاب مع جزء من ذاك يوصل الإنسان إلى إنجازات عظيمة يتعجب منها، لستُ قارئا نهما، ولا أقرأ لمجرد القراءة، إنما أقرأ فقط لإشباع فضولي حول شيء معين يحيّرني، وأنا الآن في رحلة لفهم عجائب الزواج والطلاق والعلاقة بين الرجل والمرأة، علاقةٌ أكتشف تعقيداتها وأتعرّف على جهلي وأفكاري المغلوطة كلما تعمقت في الأمر، وأرى دراسة هذه الأمور شغفًا منّ الله عليّ به، وقرأت كتاب "المبادىء السبعة الاساسية لانجاح الزواج " لجون ام. جوتمان، وقد أفادني كثيرا، ومع أني قرأت الكتاب وفكرت كثيرا في الأمر، إلا أن هذا لا يعني أني سأستطيع إنجاح زواجي (لست متزوجا ولا مرتبطا حاليا)، لأننا ننسى كثيرا، وقراءة كتاب في رأيي لا تعني أننا سنعمل بما فيه من علم، لأننا ننسى كثيرا، وقد ذكر جوتمان في الكتاب أن الغرض من الكتاب أن يعمل به الزوجان ويراجعاه كل سنة أو كل بضع سنوات، لأننا ننسى كثيرا، وهذا ينطبق على معظم الكتب الغنيّة بالمعارف، لأنّها تحتاج إلى عمل وتركيز وتفكير.
لا أتفق مع فكرة أننا نستطيع تذكر كل الأفكار من كتاب ما عندما نحتاج إليها، لأننا ننسى كثيرا.
قرأت قبل أشهر جزءا من كتاب "كيف تقرأ كتابا" لمورتيمر آدلر، وهو كتاب نافع وكنز معرفي، أنصحكِ بقراءة الأجزاء الأولى منه إلى الفصل الذي يذكر فيه الكاتب كيفية استعمال القواميس (لا أعرف عن بقية الكتاب، رغم أني أريد إكماله)، فقد ذكر فيه الكاتب طريقة سمّاها بالقراءة التحليلية، وهي طريقة لقراءة الكتب مختلفةٌ تماما عن طريقة معظم القراء، وتتطلب مجهودا كثيرا، قد تأخذ بها قراءةُ صفحةٍ واحدة ربع ساعة أو أكثر، لا يمكنني تلخيص كل شيء هنا، لكن الفكرة العامة أنْ يحادث الإنسان الكتاب، ويسأل نفسه "ما المشكلة التي يحاول الكاتب حلّها؟" و"ما المصطلحات المهمة التي يستخدمها الكاتب، وماذا يعني بها؟" و"هل نجح الكاتب في حل المسألة؟" و"هل أتّفق مع الكاتب؟ " و"ما الأفكار التي فهمتها وما الذي لم أفهمه؟ وما الأفكار التي أتفق معها؟ وما الأفكار التي أختلف مع الكاتب فيها؟"، وينصح الكاتب بالكتابة أثناء القراءة، لتساعد على التفكير، ولتبقى الأفكار المهمة في ورقة كملاحظات لاستذكارها بسهولة، لأننا ننسى كثيرا، هذا النوع من القراءة يتطلب الكثير من التفكير والتأمل، والغرض منها أن يتساوى القارئ مع الكاتب فكريا، على القارئ أن يستطيع التواصل مع الكاتب كصديق يفهمُ ما حاولَ قولَه، هذا الأسلوب صعب جدا، لكن منافعه عظيمة، إذ يمكن به أن يكون علمُ القارئ بمرتبة علمِ الكاتب في الأمر وأفضل من 99% ممن قرأ الكتاب قراءةً عاديّة، قد تحتاجُ بهذه الطريقة قراءةُ كتابٍ أكثر من شهر عوضا عن يومين، لكن بذلك ستترسخ الأفكار وستبقى معنا المعارف كأنها منقوشة على عظامنا، هذا الأسلوب ليس حفظا، إنما فهمٌ وإدراك معمّق، فالحفظ لا ينفع دون فهم، وسيُزيل هذا الأسلوب جزءا من المتعة، لكن كما يُقال "لا يُنال العلمُ براحة الجسد"، والمتعة الحقيقية في إدراكِ علمٍ وبقائِهِ معنا طيلة الحياة.
أرى أن قراءة كتاب واحدٍ مفيدٍ بتأنٍّ وتأملٍ وتحليلٍ في العامِ خيرٌ من قراءات مشتّتة هنا وهناك، لكن كلاهما خير من ترك القراءة.
كتابة ملاحظات والاحتفاظ بالاقتباسات من الأمور التي أستعين بها، رغم أني أقتبس كثيرا لدرجة أني أحتفظ بأكثر من عُشْرِ الكتاب، ولا أعود إلى الاقتباسات لكثرتها، وهذا فشل نوعًا ما، لكن سأنشر إن شاء الله أفكارا أعجبتني في كتاب المبادئ السبعة قريبا هنا على IO لترسيخها، سأطرحها بأسلوب غريب وأتمنى أن أُوفَّق.
القراءة التحليلية من الأمور التي أحتاج إلى تطبيقها عندما أقرأ كتاب المبادئ السبعة مرة ثانية إن شاء الله، لأنه نافع وغني بأفكار مهمة، وتكرار قراءةِ كتابٍ مهم جدا، لأننا ننسى كثيرا، وما تكرَّرَ تقرَّرْ.
لكن مجددا، لزيادة المتعة، على الإنسان أن يقرأ لإشباع فضوله، لا ليُقال عنه "قارئٌ مثقّف" أو ليقول لنفسه "قرأتُ ألف كتاب هذا العام"، الجودة أهم من العدد، وإن كان ما يُريد معرفتَه يقتُله فضولًا فسيستطيع أن يصبر على المجهود الذي تتطلبه القراءة التحليلية ولن يراها عذابا كما عذّبَتْنا مناهج المدارس.
نسيت شيئا، أريد التنبيه إلى أننا ننسى كثيرا، وهذا طبيعي.
وعليكم السلام ورحمته وبركاته عبد الهادي
جميلة إستفاضتك بهذا التعليق فقد فهمتُ عدّة نقاط مهمة من خلال حديثك هذا وأرجو أن أوفق في تلخيصها بدون سوء فهم كي يسهل عليّ الرد دون نسيان شيء
النقطة الأولى: هي ما ذكرتها أول تعليقك وآخره أننا ننسى كثيراً وهذا طبيعي لنا كبشر، سواء أكان بشكل متخصص بالقراءة أم بشكلٍ عام في معتمل الحياة.
وردي هنا أن فعل النسيان هو أمر طبيعي جداً بالتأكيد، لكن اختيارنا الكتاب لنقرأه لا يجب أن يكون ضمن نسيانٍ مُطلق، فعلى الأقل نحتاج إلى أن نلمس نتائج مما نقرأ ولو على المدى البعيد، أمّا إذا قُمت بقراءة الكتاب وقلت أنه من الطبيعي أن أنسى فهنا ضيّعنا قيمة القراءة في التأثير على شخصياتنا.
الثانية: هو أهمية القراءة كأضعف الإيمان كما يقال ومن ثم بعدها نستطيع التفريق بين طرق استفادتنا منها سواء أكان من ناحية العدد أو الجودة
ردي هنا أتفق معك تماماً وهذا المبدأ الذي اتبعته حين أعرتُ صديقتي مجموعة من الكتب، وكان هدفي الأول أن تقرأ، أن تعلم كيف عالم القراءة أمر مدهش وأنها تستطيع فهم وتعلم الكثير وليس عليها فقط أن تتعلم من الحياة الواقعية لأن كانت لديها قناعة أن المواقف الواقعية تعلمنا بشكل أفضل بكثير من ألف كتاب!
الثالثة: أن هناك الكثير من الكتب التي تعكس أموراً لم نكن نعلم أنها بهذا الشكل ولهذا نحتاج أن نقرأها قراءة تحليلية.
ردي على هذه النقطة أن هذا هو متعة القراءة، فكما ذكرتَ في تعليقك أن كتاب "المبادىء السبعة الاساسية لانجاح الزواج" قادك لرحلة مهمة وقيّمة لفهم الكثير من العجائب حول الحياة الزوجية، كذلك كتاب "كيف تقرأ" قد أعطاك آلية مهمة للتعامل مع القواميس في فصوله الأولى، وأرى أن هذا جيداً جداً وأن الطريقة التحليلية التي تحدثت عنها مفيدة.
أخيراً: لكل كتاب تخصصه وحين نكتشف هدفنا من قرآته والاستفادة منه فهذا سيسهل لنا تحليله ومن ثم القدرة على تذكره بشكلٍ أفضل
ردي هنا كآخر نقطة أننا حين نحدد طرق لإعمال الاستفادة قدر الإمكان قبل البداية بقراءة الكتاب، وحين نحدد هدف معين نستطيع هنا أن نتحقق من أن ما نقرأه سيفيدنا لاحقاً وهذا ما فعلته في آخر ثلاث أعوام أيضاً أصبحت لديّ طرقي الخاصة كما لك طرقك الخاصة ولدى القرّاء طرقهم، وهنا أود التنويه لأن كثرة الاقتباسات لا يعني فشلك في تلخيص الكتاب، بل يعني اهتمامك الدقيق بالتفاصيل وكل ما عليك فعله في هذه الحالة هو تحديد اقتباسات رئيسية وأخرى فرعية لتسهل على نفسك مهمة التذكر.
سأنشر إن شاء الله أفكارا أعجبتني في كتاب المبادئ السبعة قريبا هنا على IO لترسيخها، سأطرحها بأسلوب غريب وأتمنى أن أُوفَّق.
في إنتظار مشاركتك هذه، بالتوفيق.
شكرا على الرد، أعجبتني طريقتكِ في تحليل تعليقي، فكرةُ تلخيصِ النقاط لتجنب سوء الفهم فكرةٌ رائعة، سأحاول استخدامها كذلك.
إذا قُمت بقراءة الكتاب وقلت أنه من الطبيعي أن أنسى فهنا ضيّعنا قيمة القراءة في التأثير على شخصياتنا.
هل تقصدين أنّ على القارئ أن يقرأ الكتاب محاولًا تطبيق ما فيه من حِكَمٍ وفوائد في حياته ليُغيّر شخصيّته ويتحسّن، وألّا يقول: "من الطبيعي أن أنسى، لذا لا بأس إن لم أستفد شيئا"، أي أنّه ينبغي علينا أن نقرأ ونطبّق ما نقرأه ونعمل به قدر المستطاع وألا نستعمل النسيانَ عذرًا ونتجاهل الفوائد الموجودة في الكتاب لمجرّد أنّنا سننسى، وعليَّ أن أتجنّب قول: "سأقرأ ثم سأنسى، وهذا طبيعي لذا فالقراءة لن تؤثّر على حياتي"؟
إن كان هذا قصدك فإنّي أتفق معك، شكرا لتنبيهي على هذا، أنا لا أقول أن النسيان عذر، إنّما دافع بنبغي أن يدفعنا لنفكّر حين نقرأ، وعلينا أن نتأمّل في كل فكرة جديدة ونبحث عن طرق لاستعمالها في حياتنا لتؤثّر القراءة على شخصيّتنا، بعبارة أخرى، النسيانُ أمرٌ ملازم لنا علينا أن نحذر منه ونحاول تجنّبه ما أمكن كي نستفيد ممّا نقرأ، علينا أن نُحارب النسيان، وطرق محاربته كما ذكرتِ متعدّدة وكل قارئ يمتلك طرقًا خاصة به لمحاربة النسيان، وكما قلتُ، التفكيرُ في كل صفحة تفكيرا مليّا وطرحُ الأسئلة التي ذَكرتُها ومحاولة الإجابة عليها وسيلةٌ من وسائل تذكّر ما نقرأ، والتكرار وسيلة أخرى، وهناك وسائل أخرى كذلك، كالاقتباس والتلخيص والملاحظات وغيرها، لا يمكنني طرح كل شيء هنا، لذا أدعوكِ للاطلاع على كتاب "كيف تقرأ كتابا" لصورةٍ كاملة للقراءة التحليليّة، ولأنّنا ننسى فعلينا أن نجتهد في القراءة أولا ونجتهد في العمل ثانيًا، كي نتذكر ونعمل بما نقرأ لينعكس ذلك على تصرفاتنا وأقوالنا. ما رأيكِ في هذا؟
كان هدفي الأول أن تقرأ، أن تعلم كيف عالم القراءة أمر مدهش وأنها تستطيع فهم وتعلم الكثير وليس عليها فقط أن تتعلم من الحياة الواقعية لأن كانت لديها قناعة أن المواقف الواقعية تعلمنا بشكل أفضل بكثير من ألف كتاب!
بارك الله فيك، دعوة الآخرين لاستكشاف عالم القراءة المدهش طريقة من طرق تغيير العالم، لذا واصلي، فِكْرُ أنّ الحياة تعلّم أكثر من الكتب فكرٌ شائع جدا في صفوف من لا يقرأ، وقد كنتُ أحمل نفس الفكر، من الصعب إقناع الآخرين بالقراءة، حتى أنّه يصعب عليّ إقناع نفسي بها أحيانًا. عندي بعض الأسئلة، وعذرا على الخروج عن الموضوع، كيف تضعين أهداف القراءة؟ هل تضعين قائمة بالكتب التي تريدين قراءتها بداية كل عام؟ أم أنّكِ تضعين عددًا معيّنا من الصفحات كل يومٍ هدفًا؟ أو تعتمدين مدة زمنية معيّنة، كنصف ساعة من القراءة يوميًا مثلا؟ هل تختارين الكتب حسب فضولك أو حسب ترشيحات على الأنترنت أو حسب قائمة سنويّة؟
نحدد طرق لإعمال الاستفادة قدر الإمكان قبل البداية بقراءة الكتاب، وحين نحدد هدف معين نستطيع هنا أن نتحقق من أن ما نقرأه سيفيدنا لاحقاً
كيف تحدّدين هدفك قبل القراءة؟
أود التنويه لأن كثرة الاقتباسات لا يعني فشلك في تلخيص الكتاب، بل يعني اهتمامك الدقيق بالتفاصيل وكل ما عليك فعله في هذه الحالة هو تحديد اقتباسات رئيسية وأخرى فرعية لتسهل على نفسك مهمة التذكر.
في إنتظار مشاركتك هذه، بالتوفيق.
شكرا لك.
هل تقصدين أنّ على القارئ أن يقرأ الكتاب محاولًا تطبيق ما فيه من حِكَمٍ وفوائد في حياته ليُغيّر شخصيّته ويتحسّن، وألّا يقول: "من الطبيعي أن أنسى، لذا لا بأس إن لم أستفد شيئا"
صحيح لكن ليس بالمعنى الصارم، أي أن يأخذه كشيء إلزامي يعمل به في حياته، لربما تكون ثقافة الكتاب مختلفة عن ثقافاتنا فهنا نفهم الطابع ونتقبله دون التخلي مثلاً عن ثقافتنا الأصيلة وهكذا، ثم أن يكون الأمر طوعياً متسرباً للنفس والروح طالما أن عادة القراءة عادة حرّة، فـسوف تتجلي الإفادة بشكلٍ أعمق في النفس.
ذا أدعوكِ للاطلاع على كتاب "كيف تقرأ كتابا" لصورةٍ كاملة للقراءة التحليليّة، ولأنّنا ننسى فعلينا أن نجتهد في القراءة أولا ونجتهد في العمل ثانيًا، كي نتذكر ونعمل بما نقرأ لينعكس ذلك على تصرفاتنا وأقوالنا. ما رأيكِ في هذا؟
سأضيفه إلى قائمتي إن شاء الله، كما قلتُ لك سابقة الاجتهاد بشكله الصارم قد يُنفر القارئ لاحقاً حيث أن الإصرار في غير مكانه قد يؤدي للضجر وهذا ما لا نحب لأي قارئ أن يصاب به، لكن التسلسل والتدرج في حُب الكتاب وفكره والتأثر به بشكل إيجابي هي الطريقة الأفضل لأن لا ننسى ربما، هذا في رأيي.
فِكْرُ أنّ الحياة تعلّم أكثر من الكتب فكرٌ شائع جدا في صفوف من لا يقرأ، وقد كنتُ أحمل نفس الفكر، من الصعب إقناع الآخرين بالقراءة
غالباً أن تأتي بكتاب وتقول للشخص الآخر إقرأ القراءة جميلة وهي أسلوب حياة وإلخ..هنا لا يتقبل بعض الأشخاص تلك الطريقة ظناً منهم انك تفرض نقصاً ما في أسلوب حياتهم، لذلك أن يروك تتحدث عن تأثير القراءة بنفسك وأن تسرد قصص قرأتها وتأخذ الحوار إلى جانب شيّق، سيطلبون منك وحدهم أن تقترح عليهم بعضاً من الكتب المهمة ليقرأوها ويفهموا عن ماذا تتحدث.
كيف تضعين أهداف القراءة؟ هل تضعين قائمة بالكتب التي تريدين قراءتها بداية كل عام؟ أم أنّكِ تضعين عددًا معيّنا من الصفحات كل يومٍ هدفًا؟ أو تعتمدين مدة زمنية معيّنة، كنصف ساعة من القراءة يوميًا مثلا؟ هل تختارين الكتب حسب فضولك أو حسب ترشيحات على الأنترنت أو حسب قائمة سنويّة؟
أقوم بتحديد ثلاثة كتب شهرياً لقرائتها وأجدد العملية كل شهر، لا أُلزم نفسي بعدد صفحات محددة في الحقيقة فأنا أقرأ بشكل يومي وبشكل دوري دون ذلك الإنقطاع أو الشعور بضغط إنهاء الكتاب، غالباً ما أقرأ نهاية اليوم لثلاث ساعات متواصلة.
لديّ مساري الخاص في إختيار الكتب في الحقيقة وهو ممتع جداً بل هو الجزء المفضل لديّ، أن يأخذني كتاب إلى آخر أو فيلم إلى رواية أو إقتباس إلى كتاب وهكذا، هذا الشهر أقضيه في قراءة أدب الرسائل وكتاب أخذني إلى آخر حتى أنهيتُ كتاباً في جلسة واحدة فقط، وهناك كتاب أخذ معي شهراً كاملاً لعمقه واكتشفته من خلال مشاهدتي لفيلم يدعى "قطار الليل إلى لشبونة" ولم أكتفي من الفيلم فبحثت عبر الإنترنت ووجدتُ أن الفيلم مأخوذ من رواية، انتظرت وقتاً طويلاً كي آتي بها ومن ثم قضيت شهراً كاملاً بقراءتها، كانت رائعة حتى أشعر أنني بحاجة لقرائتها مجدداً.
كيف تحدّدين هدفك قبل القراءة؟
هذا يتبع نوع الكتاب/الرواية التي سأقرها مثلاً في المثال السابق كان هدفي هو الحصول على رؤية كاملة للشخصيات والتي لم تكفيني من الفيلم وقد حصلت على أفضل مما كنت أتوقع صراحةً، بل أنني أظن أن الفيلم أفسد الرواية، لأن الرواية ملحمية وفلسفية جداً مقارنة بسهولة الفيلم، وهكذا، مثلاً أدب الرسائل كان هدفي من قراءته التعرف على حقبة جميلة من الثنائيات العربية في تبادل الرسائل وكيف كان المحتوى العربي ذلك الوقت زخماً وقد أكتب فعلاً عن هذا قريباً هنا.
شكرا لك.
العفو.
صحيح لكن ليس بالمعنى الصارم، أي أن يأخذه كشيء إلزامي يعمل به في حياته
أجل، ولهذا أقول أنّنا نحتاج إلى التفكير في ما نقرأه، علينا أن نحاول تطبيق ما نتعلمه لنصبح أفضل، لكن علينا ألّا نتّبع الكاتب في كل ما يقوله، فذلك تقليد أعمى وليس اجتهادا، والكاتب مجرد بشري، قد يخطئ في تفكيره وتحليله للأمور، لكن هناك كذلك مسألة أخرى هنا، أنختلف مع الكاتب لمجرد أن ما يقوله يخالف نظرتنا للواقع؟ أم أنّنا نملك حُجَجًا مقنعة نخالفه بها؟ لا يمكن أن نقول أن الكاتب قد أخطأ دون أن نفهمه أولا، ودون أن نملك حججا قويّة تدعم رأينا ثانيًا، وهذا يحتاج إلى الكثير من التعلم والاجتهاد، هذا ما أراه والله أعلم. أيبدو لك هذا منطقيًّا؟ أم أني أخطأت في تفكيري؟
ثم أن يكون الأمر طوعياً متسرباً للنفس والروح طالما أن عادة القراءة عادة حرّة، فـسوف تتجلي الإفادة بشكلٍ أعمق في النفس.
تقولين بهذا أننا نحتاج إلى الاستمتاع بالقراءة حين نقرأ، وأن تكون قراءاتنا طوعًا لا كرهًا، هل فهمتُ قصدك؟ إن كنت تقصدين هذا فإنّي أتّفق جزئيًّا، وأملك مسألة أحتاج إلى رأيكِ فيها، متى يجب أن نقرأ لمجرد أننا نستمتع بالقراءة، ومتى علينا أن ندفع أنفسنا للقراءة بالإجبار؟ إن لم نُجبر أنفسنا على أشياءٍ في البداية دون الاستمتاع فلن نفعل شيئا، إذا أجبرتُ نفسي على القراءة فإنني لا أستمتع في البداية، لكن بعد مدة من القراءة تأتيني المتعة، أحيانا علينا أن نجبر أنفسنا، أليس كذلك؟ لكن الإجبار والإكراه قد يزيدان لدرجة أننا قد نكره القراءة وننفر من الكتب، لا أدري، ما رأيك؟ كيف نوازن هنا؟ هل تجبرين نفسك أحيانا على ترك الأنترنت وفتح كتاب لقراءته؟ وهل تجدين نفسك أحيانا مع كتاب بدأ جيّدًا وممتعًا، ليتحوّل إلى كتاب مملّ وثقيلٍ في منتصفه، ثمّ تفكّرين في تركه وقراءة آخر، هل يحدث معك هذا؟ ما العمل في هذه الحالة؟ أتتركين الكتاب إن لم يعجبك لتنتقلي إلى آخر؟ أم أنّك تجبرين نفسك على الاستمرار؟ أم أنّ طريقة اختيارِكِ للكتب تضمن لك عدم الوقوع في هذا؟
غالباً ما أقرأ نهاية اليوم لثلاث ساعات متواصلة.
هذا مدهش! يبدو أنك مواظبة حقا بارك الله فيك، أتمنى الحصول على مثل مثابرتك.
كانت رائعة حتى أشعر أنني بحاجة لقرائتها مجدداً.
هل تعيدين قراءة الكتب التي أثّرت فيك؟ أعدتُ قراءة كتاب "كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس" عدة مرات لقصصه الجميلة وأسلوب الكاتب البديع، ولأنه يحتوي على نصائح قيّمة وجدت أني لم أكن أعمل بها في حياتي، ولا أزال أحاول العمل بما فيه أكثر وأكثر. وكما قلتُ سابقا، أرى أن التكرار وسيلة مهمة لمحاربة النسيان، رغم أن معظم الناس سيتعجّبون قائلين: "ماذا؟؟ أقرأُ نفس الكتاب؟ مجدّدا؟ ما الفائدة من إعادة قراءة كتاب سبق لي وأن قرأته؟" وهذه ردة فعل طبيعية، لأننا دائما ما نسعى للجديد. ما رأيك في إعادة قراءة نفس الكتاب؟
قد أكتب فعلاً عن هذا قريباً هنا
لا أعرف شيئا عن أدب الرسائل، لذا أرجو أن تفعلي لتعرّفينا عليه. ما أفضلُ ما قرأتِ فيه؟
أنختلف مع الكاتب لمجرد أن ما يقوله يخالف نظرتنا للواقع؟ أم أنّنا نملك حُجَجًا مقنعة نخالفه بها؟ لا يمكن أن نقول أن الكاتب قد أخطأ دون أن نفهمه أولا، ودون أن نملك حججا قويّة تدعم رأينا ثانيًا، وهذا يحتاج إلى الكثير من التعلم والاجتهاد، هذا ما أراه والله أعلم. أيبدو لك هذا منطقيًّا؟ أم أني أخطأت في تفكيري؟
أعتقد أنه لا يجب أن نخاف من الفكر المختلف عن فكرنا، بل من الجيّد أن نطّلع على نهج جديد في التفكير ووجهات نظر مختلفة، وهذا ما أظنه الهدف من الأدب والكتب بشكلٍ عام، هو أن يضيف لك صورة غير تلك المصورة في عقلك، لكن هنا نأتي لنقطة هامة وهو قدرة الشخص على تشكيل شخصيته القرائية دون أن ينجرف لكل الأفكار بشكلٍ أعمى، وهذا غالباً لا يحدث مع القارئ العارف بضرورة وجود رأي ومساحة مختلفة عمّا يطرحه الكتاب فيفهم موقفه وإن قرر تبني فكرة ما وإضافتها إلى رصيده الفكري فهو ينقدها ويعلم مناسبتها لنفسه ويسقطها على واقعه إلخ..
لكن للأسف الكثير ينجرف اليوم للأفكار لمجرد أنها أفكار غريبة دون مقاربتها أو نقدها أو حتى فهم الهدف من وراءها.
متى يجب أن نقرأ لمجرد أننا نستمتع بالقراءة، ومتى علينا أن ندفع أنفسنا للقراءة بالإجبار؟
أرى أن أي قارئ يمر بتلك الفترة، حيث يفقد رغبته في القراءة بسبب خلل في التركيبة الداخلية التي تدفعه غالباً للقراءة وقد تشمل هذه التركيبة "ظروف حياتية، مزاج عام إلخ.."، وأعتقد أنه أمر عاديّ ومع الوقت نشعر بحاجتنا للعودة لأن شعور الفضول التي تَشكّل في عقولنا طوال الفترة الماضية سيحدثها مجدداً على فعل القراءة.
أمّا إن كان هذا الإجبار عامل أساسي في القراءة فأظن انه هناك شيء ناقص كأن تكون الكتب التي تقرأها غير ملائمة وشبيهة للأمور التي تهتم بها.
على صعيد شخصي نعم هذا يحصل معي، لكنه الآن قليل بالنسبة للسنوات الماضية، حيث أنني أكثر دراية بمجالات الكتب التي تهمني ويحدث من وقت لآخر بأن أجبر نفسي على إكمال كتاب لأنني لا أحب أن أترك أي كتاب في المنتصف وغالباً ما ألجأ في هذه الحالة للقراءة السريعة، أما بشكلٍ عام فلا أجبر نفسي على القراءة كفعل قسري أبداً، أعطي لعقلي وقته في العودة مجدداً.
هل تعيدين قراءة الكتب التي أثّرت فيك؟ وهذه ردة فعل طبيعية، لأننا دائما ما نسعى للجديد. ما رأيك في إعادة قراءة نفس الكتاب؟
أجل أفعل، ولكن بفترات زمنية متباعدة ومناسبة لحاجتي لتذكر الكتاب من جديد، قرأتُ كتاب الضوء الأزرق للكاتب حسين البرغوثي ثلاثة مرات، كذلك المجموعة القصصية موت سرير رقم 12 للكاتب غسان كنفاني أربعة مرات، على سنوات مختلفة، لكن لا أحاصر نفسي بالإعادة دون الاستمرار بقراءة شيء جديد، لذلك أرى أنها تفضيلات شخصية، على الآخرين من حولنا احترامها، تجد الكثير يعيدون مشاهدة نفس الأفلام مثلاً وهذا أمر طبيعي، يمكن أن يحدث لقراءة الكتب.
لا أعرف شيئا عن أدب الرسائل، لذا أرجو أن تفعلي لتعرّفينا عليه. ما أفضلُ ما قرأتِ فيه؟
سأفعل قريباً إن شاء الله وأعرض بعض الثنائيات الجيدة في هذا الأدب.
التعليقات