أن تعرف نفسك أولاً: دفاعاً عن الهوية في عصر التشابه

هل الحياة قد تسلب منك نفسك؟

في رحلة الحياة الطويلة، قد تجد نفسك في أوقات كثيرة تتوقف فجأة أمام المرآة، وتسأل بذهول: هل هذه حقاً نفسي؟ أم أنني لست سوى كائنٍ مُشتق من آراء الآخرين، ورغباتهم، وما أُمليَ عليّ دون أن أدرك صحته، أو أتفكر في جذوره، أو أقول بملء حريتي: أنا حقاً مع هذه الفكرة أو ضدها؟

نعم، قد تُسلب منا ذواتنا تدريجياً، ودون أن نشعر، لأننا نخشى ذلك الفراغ الذي يتركه اختلافنا عن الآخرين. فنحن نميل بطبيعتنا إلى مسايرة القطيع، هرباً من شبح الغربة، وباعتقاد دفين بأن السير في عكس الاتجاه يعني الضياع الحتمي في عالم لا يرحم الغرباء. لكن هنا يكمن السؤال الحقيقي: إن لم نجرؤ على الضياع المؤقت، فكيف سنجد أنفسنا أصلاً؟ وكيف ستعرف من أنت حقاً، وما هي ملامحك الحقيقية، دون أن تخوض في طرقٍ لا تعرف أين تنتهي وجهتها؟

ولأن الوعي لا يُولد في العزلة المطلقة، بل في قلب الاحتكاك، تجد نفسك جالساً معهم.. محاطاً بذات الأشكال والطباع، وتراقب عن قرب كيف يرتدي الجميع أقنعة تشابههم ليضمنوا القبول، وكيف يمثلون أدواراً متفقاً عليها لتجنب سيف النبذ الاجتماعي. وحين تكون بينهم، قد تغشاك أنتَ أيضاً تلك الغربة الصامتة؛ لكنك لا تفقد بوصلتك.

أنت لا تعادي العالم ولا تنعزل عنه بغطرسة، بل تعرف كيف تقف على حافة الزحام بحكمة تامة. أنت معهم بجسدك وفكرك المراقب، ولست معهم بهويتك المسلوبة. تجلس، تتفكر، وتراقب ما يقال وما يُصنع، وتمتلك تلك المصفاة الداخلية الخفية: تأخذ من مخالطتهم كل ما هو نقي ومفيد، وتترك ما لا يشبهك وما لا يرتضيه كيانك، دون أن تسعى لتقليدهم، ودون أن تلهث خلف إعجابهم أو كسب قبولهم الزائف.

ودون أن تجرب، ودون أن توضع تلك القيود على عقلك، وكيف ستعرف من أنت إن لم تفتح ذلك الباب المغلق لتر ما بداخله وما بداخلك؟

حين تنقضي الجلسة، وتعود إلى بيتك، وتغلق بابك خلفك.. تبدأ المعركة الحقيقية. تضع كل تلك الأفكار والمواقف على ميزان التأمل؛ تأخذ منها ما يخدم حقيقتك، وتقذف بما لا ترغب فيه، لتصنع لنفسك فكرة جديدة، وقناعة خالصة لا تكون منبثقة من فلان أو ذاك الآخر، بل تنبع من جوهرك أنت.

وحين تفعل ذلك كله، وتسأل نفسك: هل أعرفني حقاً قبل أن يعرفني العالم؟ وهل أنا أجري مع النهر العاجل حيث يصب المتشابهون بلا ملامح، أم أنني أبحث عن إجابات تخصني وحدي؟.. ستدرك حينها أنك مررت بكل زحام العالم، وكل أروقة الضياع، لتخرج منها وأنت تحتفظ بالشيء الأثمن على الإطلاق: نفسك كما ينبغي لها أن تكون، لا كما أراد لها الآخرون.


لسنا مجبرين أن نكون ضمن إطار اقنعة مزيفة إطلاقا وان اجبرتنا الضروف عليها وفق غرض معين فتلك فترة وتمضي.... ولكن أرى ان الإنسان إنما يكون وفقا لمايعكس شخصيته سواء بقبول شيء أو تصرف أو رفضه بما تمليه قناعته وما تأصل فيه ،أرى ان وجود شخص ضمن جماعة ومسايرة ما يناقض داخله إنما يؤثر عليه هو لا على الآخرين بتعب نفسي اوجلد الذات أو عزلة أو.....فمن الأحسن تصرف الإنسان بطبيعته وبآرائه فلا حاجة لشخص ايا كانت علاقتنا به يرفض اختلافا في وجهة نظر أو رأي لان الاختلاف فطرة ....

أنا أوافقكِ الرأي تماماً في نقطة أننا لسنا مجبرين على ارتداء أقنعة مزيفة لإرضاء أحد. ولكن من واقع الحياة اليومية، الأمر أحيانًا لا يقتصر على 'فترة وبتمر'، بل نحن نتعامل باستمرار -في العمل، مع الأصدقاء، وحتى داخل العائلة- مع أشخاص مختلفين عنا تمامًا في الأفكار والنظرة للأمور، نتيجة اختلاف تجاربنا وبيئتنا.
​لذلك، أنا لا أرى أن التعامل معهم يعني نفاقًا أو زيفًا، بل هو ذكاء طاقي ومرونة واقعية. نحن لسنا بحاجة لعزلة تامة، ولا لمجاراة من يستنزف طاقتنا. السر يكمن في وضع 'حدود واضحة' تحمي طاقتنا وتمنع الآخرين من استنزافنا، حتى لو لم يعطونا طاقة إيجابية فنحن لسنا بحاجة لذلك، المهم ألا يُهدر مخزوننا الداخلي. أما أولئك الذين يرفضون اختلافنا من أساسه ويرفضون حتى مجرد تقبّل نظرتنا للواقع، فنحن حقًا بغنى عن تعميق العلاقة معهم، وإن اضطررنا للتعامل بحكم الظروف فنحن نتعايش بوعي ودون أن نتنازل عن حقيقتنا أو نرتدي أي أقنعة.

.

فنحن نتعايش بوعي ودون أن نتنازل عن حقيقتنا أو نرتدي أي أقنعة.

وهذا ماعبرت عنه بطريقتي فالحياة وعي بالحدود ضمن ما يحمي راحتنا النفسية ويظهر هذا في ادراكنا لطريقة التعامل مع الغير مع احترام الاختلاف لاغير .......و.تعقيبي كان في قولك....

تُسلب منا ذواتنا تدريجياً، ودون أن نشعر، لأننا نخشى ذلك الفراغ الذي يتركه اختلافنا عن الآخرين.....

واييد راييك في..

....الوعي لا يُولد في العزلة المطلقة..

رأيكِ وجمال طرحكِ هما ما أضافا القيمة الحقيقية للنقاش؛ سعدت جداً بهذا التقارب الفكري والوعي الراقي معكِ، دمتِ بكل خير🤍