غريزة التملك عند الإنسان تجعله يرغب كثيرا في امتلاك و ابتلاع الأشياء من حوله حيث يريد أن يشعر بأنها زوجته و أبناؤه و سيارته و أرضه و منزله و عقيدته و فلسفته و شخصيته و جسده و هلم جرا .. ولكن هل حقا الإنسان يمتلك نفسه و غيره و له الحق المطلق في ذلك ؟ لابد أن نعرف أولا من نحن و ما هو الإنسان هذا الكائن المكرم الذي كرمه الخالق بملكات نفسية و جسدية أفضل مما أعطي لسائر الكائنات الحية الأخرى .. فالإنسان ظاهريا و حسيا عندما تنظر إليه لا تلاحظ سوى جسد مستقل عن الأجساد الأخرى غير لصيق بها و له تقاسيم و تفاصيل شكلية بارزة للنظر فهل يا ترى هذا هو الإنسان فقط ؟ أم أن هناك ما هو أكثر من ذلك ؟ و الجواب هو بالطبع و بلا شك هناك ما هو أكثر و أعمق من الجسد الظاهري فهناك عالم المشاعر و النفس و الميول و الغرائز .. طيب إلى حد اللحظة نحن نصف النتيجة و لم نذهب إلى الجذور و المبادئ و الإرتباطات و الأسباب لأننا نرى كائنا ظاهريا جاهزا و عليه سيكون سؤالنا هو : هل ظهر هذا الكائن فجأة جاهزا كما نلاحظه و نراه ؟ أم أنه بناء تدريجي يقف وراءه أتعاب و أشياء أخرى ؟ و الجواب بالطبع لم يظهر الإنسان جاهزا بل هو مخلوق ينمو تدريجيا و ببطئ و عناية إلهية شديدة جدا و المولود الجديد لم تساهم فيه الوالدة و الوالد فقط بل إن ما ساهم فيه عدد لا يحصى من الناس الذين قبله و معه و حتى بعده بقليل و أيضا حتى الحيوانات و النباتات و العناصر الأخرى و الذين نعبر عنهم كلهم بمصطلح [ كل شيء ] أي بمعنى أن كل شيء ساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في إنماء هذا المولود و الكائن حتى صار كائنا جاهزا يعطي و يأخذ يؤثر و يتأثر .. لذلك لو دققنا في كلامنا و أعطينا لكل ذي حق حقه فإن الإنسان لا يعتبر شيئا دون الخالق الذي سخر له كل شيء لإحيائه و إنمائه و خدمته .. لذلك هل من الحكمة و العدالة أن ندَّعي امتلاك أنفسنا و أجسادنا امتلاكا يبدو و يخيل للأذهان من خلاله و كأننا من خلقنا و صنعنا أنفسنا بأنفسنا و هذا مستحيل منطقيا ؟ و ما المقصود حقا بالإمتلاك عند البشر ؟ و هل لهم حق التصرف في أجسادهم و أنفسهم كما تهوى أنفسهم و شياطينهم ؟ و ما هي الحريات و الحقوق المسموحة لهم حقا ؟
هل للإنسان حق في امتلاك نفسه و جسده ؟ من نحن بالضبط ؟
يمكن أن نجيب على السؤال بافتراض عكسه لنفترض أن الإنسان لا يمتلك أرضه النتيجة: لن يدافع عنها، لنفترض أنه لا يخصه أولاده النتيجة: سيكون مساو للحيوانات لا يهتم بتربية أولاده ولا تهذيبهم ولا مستقبلهم، ولو كان الإنسان لا يمتلك جسده فهو لن يعتني به ولن يحفظه من المرض ولن يكون لبدنه عليه حق..
ليس هذا ما قصدته .. عدم امتلاكنا المطلق لشيء ما لا يعني و لا يستوجب بأن نهمله و بأننا لسنا أمناء و أوصياء عليه .. لأن الفطرة و الغريزة و إرادة الخالق لنا دفعتنا إلى حب التملك و عندما نعي أن ما نمتلكه هو في الجوهر و المطلق لم يكن من صنعنا فقط و لن يبقى لنا للأبد فهذا لا يغير شيئا و لا يؤثر في نظرتنا و لا ينقص من رغبتنا و أحقيتنا في تملكه .. و لكن المطلوب بشكل أدق هو تخفيف التعلق العاطفي بالدنيا و الناس و الأشياء و السعي إلى الإرتباط بالذي خلقها و خلق هذه الدنيا و خلق كل شيء .. أي بمعنى أننا لا ننصدم و ننهار و نموت إذا فقدنا شخصا عزيزا أو شيئا ثمينا بل نكون واعيين بأننا لم نكن نمتلكه بشكل مطلق .. لأن الذي يمتلك بشكل أبدي خالد هو الخالق وحده لا شريك له
التعليقات