الإنسان ليس روبوتا جامدا يتحرك بالخوارزميات و الأوامر بل إنه كائن حي له مشاعر و أحاسيس و باحث بالفطرة عن المعنى و الحكمة و الغاية من وجوده و من تصرفاته .. لذلك من الطبيعي أن يحذر و يستغرب و يرفض أي إملاءات أو أوامر أو طلبات غير مفسرة و غير مقنعة بالنسبة له و غير واضحة المعالم و التداعيات و الأهداف .. بل إنه لمن الوعي و الذكاء أن يطلب المرء أسبابا و حججا مقنعة تعطيه الدافع و الحافز النفسي للقيام بأمر معين .. و بالتالي في حياتنا علينا أن لا نفسر كل تخاذل و كل تمرد و كل رفض لطلباتنا على أنه عصيان و تقصير من طرف الشخص الآخر .. بل قد يكون عاجزا و قاصرا عن فهم نوايانا و أسبابنا و غير مدرك بعد للجدوى و المعنى و الحكمة مما يراد منه .. فالمرء متصف بذاتيته و مستوى وعيه و بكثير من الشوائب و المنغصات و الضعف و قلة النضج .. لذلك لا تتوقع شيئا من أي شخص .. و كن متأكدا بأن الإرتياب و القصور صفات بشرية موجودة و بأن الإقناع و التوعية و التنوير ليس عملية سهلة تتم بكبسة زر أو أمر معين .. فصناعة الأحكام و إتخاذ القرارات ليست بتلك السهولة التي تتصورها الأذهان .. لذلك عود نفسك على أن تفتش عن الدوافع و الحجج لأنك تحتاج إلى إقناع الناس لكي يشتروا منك و لكي ينفذوا طلباتك و لكي و لكي .. ليس لأنك طلبت معناه أنه ينبغي التنفيذ فهذا الشيء ينفع مع الروبوتات فقط ..
تبرير الأوامر و الطلبات بحجج مقنعة واجب
كلام جميل إن طبقناه بطريقة عادلة، لكن المشكلة أن بعض الناس يتخذونه لافتة جاهزة لتبرير قلة مسؤوليتهم تجاه أقرب الناس إليهم. عرفت خلال حياتي أشخاصاً لا تحتاج إلى أن تلتمس لهم الأعذار، لأنهم السبّاقون إلى تعليق سلوكياتهم على شمّاعات لا تنتهي، بينما يتصرفون بأنانية واضحة ولا يكترثون لأثر أفعالهم على من حولهم. المشكلة ليست بالفكرة المطروحة، بل بمن يستخدمها كغطاء أنيق لإخفاء نرجسيته وسلوكياته السلبية، ثم يطالبك بتفهّمه وكأن وراء الأمر حكمة عميقة. أما عبارة (لا تتوقع شيئاً من أحد) فتتحول عند البعض إلى وسيلة للهروب من أبسط الواجبات، فإذا واجهته بمسؤوليته قال لك شيئاً من قبيل: (أنا حر… لا تنتظر مني شيئاً أصلاً).
هذا التنصل من المسؤولية موجود إذا كان نابعا عن كسل و عن عمدية و عن استهتار .. و لكننا مطالبون بالتنقيب عن أسبابهم العميقة الجذرية و ليس أن نحكم بظاهر ما نراه .. لأن الظاهر لا يعبر سوى عن نسبة قليلة من شخصية و تكوين الإنسان لأن الباطن و ما خفي أعظم بكثير و نحن لا نريد أن نتفاجأ في يوم ما بأننا كنا سببا في ظلم أشخاص بأحكامنا الظاهرية القاصرة عليهم و ربما كنا سببا في تأزمهم و معاناتهم النفسية .. لذلك من الضروري أن نعرف جيدا مع من نتكلم و كيف نتكلم و ما الذي يحتاج سماعه و الشعور و الوعي به ذلك الشخص بالذات دونا عن بقية الناس .. فقد نندم يوما ما لأننا أخطأنا في قياس أشخاص لا يصلح أن نقيسهم بمقياس الأغلبية .. لابد أن نتعلم أكثر و نميّز الإستثناءات و نعطي لكل ذي حق حقه ..
التعليقات