قراءة نقدية لمقولة شيشرون: "سقراط أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض"

مقدمة:

قال شيشرون عن سقراط: "أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، وأدخلها المنازل، وجعلها تسوس أفعال البشر." هذه العبارة تعبّر عن تقييم لطريقة سقراط في الفلسفة، وقد فسّرها العديد من الفلاسفة والمفكرين على أنها تحوّل جوهري في موضوعات الفلسفة، من الاهتمام بالميتافيزيقا إلى التركيز على الإنسان، ومعرفته وأخلاقه.

.

القسم الأول: قراءة جديدة لمقولة شيشرون

تفسير شيشرون يشير إلى أن سقراط لم يقتصر على التفلسف ضمن طبقة النخبة الفكرية أو الانشغال بمسائل الكون وما وراءه (التي رمزها شيشرون بالسماء)، بل نقل الفلسفة من نخبة الفلاسفة إلى الناس العاديين عن طريق محاوراته معهم.

الدليل على هذا التفسير هو عبارة شيشرون: "أدخلها المنازل". أى إنه جعل الفلسفة بين الناس والعامة .

القسم الثاني: هل سقراط أول من بحث في مسألة المعرفة والأخلاق؟

على الرغم من أن هناك شبه إجماع فلسفي يرى أن سقراط هو المؤسس الفعلي لمباحث المعرفة والأخلاق، إلا أن البحث الدقيق يظهر أن هناك من سبقوه في مناقشة هذه الموضوعات:

هيراقليطس وبارمنيدس:

بارمنيدس: ركّز على مصدرية العقل في المعرفة واعتبر أن التغير مجرد وهم، فالمعرفة والأخلاق يمكن اعتبارها مطلقة وثابتة.

هيراقليطس: أكد على أهمية الحواس في إدراك الواقع وأن الأمور في تغير دائم، فقال: "لا يمكنك نزول النهر مرتين"، مؤكدًا نسبية المعرفة ومحدودية اليقين.

عصر السوفسطائية:

أعاد السوفسطائيون مركزية الإنسان إلى قلب الفلسفة، وناقشوا قضايا المعرفة والأخلاق بشكل عملي، بعد أن كانت الفلسفة قبلهم تركز على الميتافيزيقا والكون.

تنوّع السوفسطائيون في مقاربتهم للمعرفة:

العناديون: الشك في كل شيء، حتى في الحقائق المحسوسة.

العندية: نسبية المعرفة بين الأشخاص والمجتمعات والأزمنة.

اللادرية: رفض إمكانية إدراك أي معرفة مؤكدة، وكان جوابهم الشائع: "لا أدرى".

الخلاصة النقدية

عبارة شيشرون تعني أن سقراط نقل الفلسفة من نخبة الفلاسفة وجعلها بين الناس عن طريق محاوراته اليومية، وليس بالضرورة معناها أنه نقل البحث من الميتافزيقا إلى الأخلاق والمعرفة .

هناك فلاسفة سبقوا سقراط في تناول مسائل المعرفة والأخلاق، مثل هيراقليطس وبارمنيدس فبالتالى ليس هو أول من بحث مبحث المعرفة والأخلاق كما يقال .

إعادة مركزية الإنسان في الفلسفة لم تكن من ابتكار سقراط ، بل جاءت نتيجة جهود السوفسطائيين الذين أعادوا الإنسان واهتماماته إلى قلب الفلسفة العملية.


قراءة نقدية ممتازة وتفكيك ذكي يحرر التاريخ الفلسفي من كليشيهات التبسيط، فالكاتب أصاب تماما في إعادة الاعتبار للسوفسطائيين الذين كانوا أول من أحدث المنعطف الإنساني بنقل البحث من الطبيعة والكون إلى الإنسان والمجتمع وقوانينه، والعبارة الشيشرونية بالفعل كانت تصف ديمقراطية التداول الفلسفي عند سقراط في الأسواق والمنازل وليس ابتكاره للموضوع.

لكن من زاوية أعمق في تاريخ الأفكار، هناك فارق جوهري بين ما فعله السوفسطائيون وما فعله سقراط يجعل مقولة شيشرون تحمل بعدا أبستيمولوجيا مضافا؛ السوفسطائيون أنزلوا الفلسفة إلى الأرض وجعلوا المعرفة نسبية وعندية تخضع لـ نفعية الفرد ومصلحته، مما هدد شرط الندية والمعيارية في الحقيقة، وتحولت الفلسفة معهم إلى أداة سلطة ومهارة خطابية لكسب المعارك الشخصية.

أما سقراط، فإنه عندما أنزل الفلسفة إلى الأرض وإلى المنازل لم يفعل ذلك ليجاري العامة في نسبيتهم، بل ليعيد بناء المفاهيم الأخلاقية والمعرفية على أسس عقلانية مطلقة وثابتة من خلال منهجه التوليدي التهكمي؛ سقراط واجه نسبية السوفسطائيين بـ ندية معرفية صارمة تؤكد أن الحق والعدالة والخير ليست رغبات شخصية بل حقائق كامنة في العقل البشري تحتاج إلى التوليد والحوار لا التلقين الخطابي.

لذلك تكمن عبقرية سقراط في أنه لم يكن الأول في طرح قضايا الإنسان، لكنه كان الأول في جعل الفلسفة سلوكا يوميا يربط المعرفة بالفضيلة ويجعل من فحص الذات شأنا عاما ومحاكمة أخلاقية مستمرة. والسؤال الذي يطرحه هذا التفكيك الذكي: هل نجح سقراط في إنقاذ الفلسفة من عقم الميتافيزيقا القديمة ونسبية السوفسطائيين، أم أنه أسس لنوع جديد من النخبوية الأخلاقية التي دفعت أثينا في النهاية لتجرعيه السم؟