سلّم داخلي لقياس دنوّ و سموّ الإنسان

تُقاس طبيعة الإنسان من حيث درجتها في سلم دنوها و سموّها من خلال درجة الشرّ التي يعيش بها. فالمجنون الذي شرّه قريب أي ذلك الذي لا يستطيع أن يكبح أدنى مستوى من الشرّ لدى الإنسان ألا و هو تجاوز الحدّ تجاه إنسان لا يعرفه أي ممارسة أول شرّ يخطر على بال الإنسان تجاه الإنسان ألا و هو مضايقته من دون أي سبب و غزو مساحته الخاصة من دون أي سبب، هذا المجنون هو إنسان و ليس غير إنسان و لكنه إنسان يعيش و يحيا على أقلّ درجة في سلم السموّ و الدنوّ. فهو إنسان دنيئ(بمعنى تعريف و ليس شتيمة).

و هكذا دواليك.

فأسهل شرّ على الإطلاق بإمكان الإنسان أن يفعله المجنون وحده من دون سائر الإنسان لا يستطيع أن يكبح نفسه عن ممارسته.(آخرون كقطاع الطرق أو "الشباب الخطرون" يمارسون هذا النوع من الشرّ عن عمد إذ بإمكانهم كبحه لو أرادوا فعل ذلك و من ثمّ فدرجتهم على سلم الدنو و السموّ أعلى من درجة المجنون قطعا..)

و هذا الشرّ السهل المباشر الذي يسكن في داخل المجنون و لا يقدر هذا الأخير على كبحه بل لا يحاول فعل ذلك و لا يقدر على أن يفكر في فعل ذلك هذا النوع من الشرّ يسكن في داخل كلّ إنسان و لذلك فكل واحد منا يعرفه جيدا و يفهمه جيدا كما أنه يخاف من التعرض له و لذلك يخاف الإنسان كل إنسان من المجنون لأنّ المجنون شره سهل و غبيّ و مباشر و عفويّ و لأنّ المجنون لا يكبح شره الغبيّ هذا بل لا يقدر على كبحه بتاتا.

و كلّما زادت و تصاعدت قدرة الإنسان على لجم شرّه تجاه الإنسان كلما علت درجته.

بهذه الطريقة بإمكاننا قياس درجة دنوّ و سموّ شعب بأسره من خلال كيف يعيش هذا الشعب عموما و ما يؤمن به عموما من خلال إعتبار هذا الشعب جزافا "إنس

انا".

ملاحظة: أن يكون الإنسان شريرا و ذو نوايا دنيئة و خبيثة شيئ و أن يكون خطِرا و قادرا على الإيذاء شيئ آخر مختلف.


التعليق السابق

االشرّ يعود على صاحبه و يمنعه من حالة السلام و السوية النفسية، بل يحرمه من فهم ماذا يريد هو حقّا بدل ذلك يظلّ رهين ما هو مُطالب به. أو بالأحرى ما يطالب هو به نفسه. فيظلّ يعيش حياة غير صادقة خوفا من شرّه الخاصّ الذي به يحدّد الإنسان عموما في قالب هويّاتي. أي أنّ تعريف الإنسان للإنسان يجعله يرسم هدفا لحياة الإنسان ثمّ يجد نفسه يسعى للوصول لذلك الهدف كأنّه يريد ذلك حقّا. بينما هو لا يريد ذلك في الحقيقة و إنّما خائف من أحكامه التحقيريّة للإنسان إذا ما هو لم يسعى في تلك الغاية التي فرضها على الإنسان فرضا و لم يحققها.

-لست أقسّم العالم إلى أشرار و أخيار. بل أقول أنّ كل البشر أشرار، تُجاه أنفسهم أولا و من ثم تجاه الآخرين و لكن حصرا عند حدوث عملية تداخل العمليات النفسية و لكن في نفس الوقت أبرياء. لأنّ طبيعتهم قاصرة على أن تتسامى فوق المرتبة التي خُلقوا فيها.

و لكن حين أفرّق بين أن يكون الشخص شريرا و بين أن يكون خطيرا فأنا هنا لست أقارن بين إنسانين و إنما أقارن بين إحتماليين داخليين لنفس الإنسان. أي كأنني أقول: أيها الإنسان إلجم شرّك ما إستطعت و إشحذ أسلحتك ما إستطعت أمام كل طارئ.

الشرّ داخلي، بينما الخطر و القدرة على الأذية خارجيان. أي أن الشر هو في علاقة الإنسان بنفسه بينما أن يكون الإنسان خطيرا فتلك علاقة جسده بالعالم. و كثيرا ما يُجنَّب المُهاب غبائات الناس و دنائاتهم فهم لا يتجرّؤون عليه كما يتجرّؤون على غيره.

إذا كان الشر هو كل ما يسبب المعاناة و الألم لنا في ذواتنا النفسية و الجسدية فإن الكوارث الطبيعية التي لا يتسبب فيها أي تدخل بشري تندرج تحت مسمى [ الشر ] .. فإن الزلازل و الفيضانات و الحرائق و البراكين و العواصف و المناخ الحار كلهم تسببوا في تشريد و وفاة الكثير من الناس في زمن مضى بسبب تدمير المنازل و جرف المحاصيل الزراعية و إحداث الجفاف و بالتالي المجاعات .. فهل يحق لنا أن نصف هذه الكوارث الطبيعية بالشر ؟ أم أنها ظواهر تدخل ضمن الأقدار و الحتميات الطبيعية التي كان ينبغي علينا توقعها و الإستعداد لها مسبقا ؟ أو ربما تجنبها و التعايش معها ؟

لا تدخل ضمن الشرّ إلاّ إذا آمن الإنسان في داخله بكونه أعلى من أن تصيبه هذه الكوارث أو إذا كان مغترّا بحظّه الحسن و حسن طالعه.

هذه الكوارث في العلاقة المُباشرة بدون مُراقب ثالث يشعر بالتعاطف التي بين الإنسان المُتعرّض لها و إيّاها تندرش تحت القسوة و تُسبب للإنسان توترا و ألما و صراعا و إياها من أجل حياته و ما يريده في حياته.

أمّا بالنسبة لتوقعها و الإستعداد لها فإنّ كل إنسان يريد الخير لنفسه و بنيه و قومه سيفعل ذلك حتما.

حسنا ماذا عن الفيروسات و الميكروبات المجهرية و ما ينتقل لأجسادنا عبر الحيوانات الملوثة ؟ و أيضا الأبخرة و الغازات السامة .. هل هي شر أم خير ؟ و ما الحكمة من وجودها ؟

الحِكمة من وجودها هي الحِكمة من وجودنا أي لا حِكمة على الإطلاق. كل كائن من الميكروب المجهري إلى الفيل الضخم يصارع في العالم على حسب طبيعته و شكل إرادة هذه الطبيعة التي فيه. نحن نصارع الفيروسات و الفيروسات تتصارع معنا. أمّا طريقة التفكير التي أعلنت أنّ الإنسان يجب أن يعيش حياة سعيدة واضحة و مرحلية أي جعل عمر الإنسان مراحل في كل مرحلة يجب أن تكون حياته على شكل معيّن ملغية إمكانية حدوث إختلافات و زلات و منعرجات غير متوقعة و خسائر و صراعات لم توضع في الحسبان..إلخ. طريقة التفكير هذه هي طريقة تفكير تحقيريّة. هي أولا تستخفّ بكل عناصر العالم حتى المجهولة منها و أيضا تستخفّ بالإنسان نفسه ملغية تباين شكل الإرادة بين إنسان و آخر و إمكانية ضهور إنسان ذو إرادة غير مألوفة، و لا تأخذ في الحسبان الصراعات الممكنة خاصة المجهولة منها و التي لم تظهر بعد. طريقة التفكير هذه تعِد على أساس مقدمات لا أساس لها من الصحة أنّ الإنسان بإمكانه إلقاء سلاحه أخيرا و النوم نوم الهناء. إنّ الكوارث الطبيعية و الفيروسات و الغازات السامة و نحوه بعد أن ألغاها الإنسان من تفكيره بأن سفهها صار ينظر إليها نظرة شزراء. لأنّها ما تتوانى تتحدى الموقف التحقيري الذي إتخذه فأسقطها عن إعتباره. فكأنه يقول لها:"قد قررت أنك لا تستحقين أن أفكر بشأنك فإياكي أن تتحدي هذا الموقف أو تحاولي أن تثبتي كونني مخطئ و كونك في الحقيقة أخطار مُحدقة فمابالي بالمجهولة منك."

الدليل على كونك تحتقر هذه الأشياء هو كونك ذكرتها في مجموعة واحدة رغم أنها تختلف عن بعضها إختلافات جذرية.

هي ليست شرّا إلا أن يكون الإنسان بدوره شرّا. هي بالنسبة لنا أخطار محدقة لا تبالي بما نريد و ما لا نريد. في المقابل الشرّ هو أن يسفهها الإنسان في داخله معلنا لنفسه كونه كائن حرام لا يُمسّ ب"حقير الأشياء" هذه.

.