في بداية مشاركتي في المنتديات الفكرية وفي النقاش مع الأخرين كنت سلفي المذهب وكنت أتبع فتاوى علماء المذهب بإنصياع كامل وبدون مراجعة، كنت عندما أنصدم بمصدر أو دليل يناقض إعتقاداتي أذهب وأبحث عن ما ينقضه ويؤيدني، وأغض الطرف عن أي معلومة أو مصدر قد يؤيدوا الطرف الأخر، كنت أقنع نفسي أنني باحث ومنفتح وعلمي، وأقنع نفسي أنني أبحث عن الحقيقة، لكنني في الحقيقة كنت أخدع نفسي و أبحث عن ما يؤيد فكري فقط، هنا (الخداع للنفس) تغلف بصورة (بحث) فأستطاع أن يقنعني بأنني أبحث فعلاً لكنه في الحقيقة بحث موجه ونتيجته معروفة مسبقاً وليس بحثاً عليماً يُسلم للدليل والبرهان والمعلومة الصحيحة بغض النظر عن هوية قائلها ومدى إبتعاده عن مذهبي الشخصي.
عندما أتأمل اليوم هذا الأمر وأرى أخرين يقعون فيه أتذكر هذه الأية المرعبة بالنسبة لي عندما قال الله: (وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) أرى هذا المعنى خطير ومرعب حقاً، فالمشكلة هنا ليست في الخداع فقط، بل في أننا قد لا نشعر بوجود خداع أصلاً، بل ونصدق نفسنا ونظن أننا فعلاً ننطلق من قناعة حقيقية وعقلية منفتحة وباحثة! وهذا هو ما وقع فيه المنافقين في عهد النبي بل وحتى بعض الكافرين الذين كفروا به عندما طعنوا فيه رغم معرفتهم بصدقه، فهم إنطلقوا من تعصبات شخصية وأهواء شخصية تجعلهم يتمسكون بأقوال أحبارهم ورهبانهم ( أبائهم الأولين) والأباء هنا هم القادة المتبعين وليسوا الأباء بالنسب.
أرى أن الكثيرين اليوم يقعون في نفس الحفرة فغالباً لا نراجع أفعالنا وأفكارنا ومذاهبنا بصدق، بل نحاول أن نحافظ على صوة معينة عن نفسنا وعن معتقداتنا قد لا تكون حقيقية، وهو ما يجعلنا نطعن في الأخرين وهناك من يرفض نقاشهم وهناك من يدعوا لعدم القراءة لهم بل وهناك من يكذب على الأخرين ويتهمهم بإتهامات كاذبة فقط ليُنَفر الناس عنهم.
كل هذا يجعلني أؤكد أن ظاهرة خداع النفس وعدم الشعور بهذا الخداع منتشرة بشكل كبير جداً فينا اليوم، قد تكون الأسباب هي غياب الثقافة القرانية الصادقة وإتباع أهواء ومذاهب الأباء أو قد تكون المشكلة الجهل والتجهيل أو أو، لا يعنيني بحث المشكلة الأن بقدر ما يعنيني السؤال: إن كننا قد نقع في خداع نفسنا دون شعور، فكيف نتأكد من أننا لم نقع في هذا الفخ؟
التعليقات