"حين يُطفئ الامتلاك دهشتنا ويُهدّئ التعود آلامنا"

نحن لا نسعد كثيرًا بما نمتلكه في حياتنا، لأن امتلاكنا له يقلل من شعورنا بقيمته، فيفقد جزءًا كبيرًا من أهميته داخلنا.

كما أننا لا نتألم كثيرًا لما نفتقده أو لما نُجبر على تقبّله، لأن الاعتياد عليه يخفف من وطأة ألمه.

إن الرضا عن الحياة أو عدمه لا يرتبط فقط بما تمنحنا إياه أو تحرمنا منه، بل يرتبط أيضًا بشعورنا تجاه ما نحن عليه؛ وهو شعور يتغير بين الإشباع مما نملك، والتعود على ما نفتقد.

فنحن نجد في دفء التعود على عدم الامتلاك نوعًا من التعويض عن رخاء الامتلاك.

وبذلك، لسنا سعداء تمامًا كما نريد، ولسنا بؤساء كما نظن.

أحيانًا يحرمنا الإشباع من لذة ما نرغب فيه كاملة، وأحيانًا أخرى يحمينا التعود من قسوة ما لا نحتمل.

فللنفس قدرة عجيبة على تحويل كل شعور غير مألوف إلى شعور عادي؛ لا فرح مفرط فيه ولا ألم شديد.

وهنا يكمن سرّ أن ما نعيشه في الحياة لا يبدو عظيمًا كما هو، ولا يبدو الحرمان منه صعبًا كما نتخيل.


أعتقد أن هذا الأمر له علاقة بقدرة الإنسان على التكيف، وهي في حد ذاتها هبة كبيرة من الله، فهي القدرة التي تدفعه دفعًا لمواصلة الحياة وتحدي الظروف المادية والنفسية شاء أم أبى، وجزء من هذا مثلًا هو النسيان، فلولا النسيان ما استطاع الإنسان تجاوز الكثير من الصدمات في حياته كفقد الأعزاء، وكذلك الاعتياد فلو لم يعتاد الإنسان على الشيء ما كان سيسعى للبحث عن جديد أو التطوير من نفسه، بل كان سيرضى بما لديه وكفى.

077591162 أضف ردا

فعلا قدرة الإنسان على التكيف مع تغيرات الحياة هبة من الله تقوي النفس على تحمل تقلبات الحياة والنسيان رحمة، كما يُقال.

وهي رحمة لا ندرك حقيقتها إلا حين تداهمنا، فتخفف عنا ما نعانيه وتمنحنا بعض السكينة.

فالنسيان دواء للنفس مما يصيبها من جراح وآلام بسبب الفقد، ومع ذلك لا نثق به كعلاج فعّال حين تظلم الحياة أمامنا بمصيبة.

إذ لا نتصور أن هناك نسيانًا قادرًا على انتشالنا مما نحن فيه، إلا عندما تتلاشى آلامنا تدريجيًا مع مرور الأيام، وتشرق شمس الحياة فينا من جديد.