مقدمة: من حكمة الشارع إلى طلاسم الصالونات
لطالما نبعت الفلسفة من نبض الحياة اليومية، من تأملات العابرين في الأزقة، من صمت الليالي الطويلة، ومن حيرة الإنسان أمام سؤال الوجود. لكنّنا اليوم، أمام مشهد غريب: خطاب فلسفي يحوّل الوضوح إلى غموض، والبساطة إلى تعقيد، وكأن الحكمة قد انتقلت من لسان الناس إلى برج عاجي مقفل.
الجوهر البسيط: فلسفة العين الثاقبة
الفلسفة الأصيلة تبدأ حيث تنتهي النظرة العابرة. هي العين التي ترى في غروب الشمس أكثر من مجرد اختفاء للضوء، وفي ضحكة طفل أكثر من مجرد صوت. الفيلسوف الحقيقي ليس ساحراً يصنع الطلاسم، بل هو مرآة صقيلة تعكس الحياة كما هي، ثم تضيف لها بعداً من الفهم. هي الحكمة المستخرجة من صميم الواقع، لا من أبراج الخيال.
الوباء الفكري: حين يصبح الوضوح عاراً
انتشر بيننا مرض "التفلسف المصطنع"؛ حيث يختبئ ضعف الفكر وراء وابل المصطلحات، ويُستبدل العمق بالغموض، والحكمة بالغموضة. كأن بعض الكتّاب يخشون أن يُفهموا، فينسجون من الكلمات متاهات لا مخرج منها. هذه الظاهرة ليست بريئة؛ إنها هروب من المسؤولية، وتخفيز لفراغ الفكر تحت قناع العلمية الزائفة.
محك التطبيق: الفلسفة التي لا تحيي ميتاً
ما قيمة نظرية ترفرف في سماء التجريد، ولا تلامس أرض الواقع؟ الفلسفة الجديرة باسمها هي التي تتحول إلى فعل، إلى حركة، إلى تحسين ملموس في حياة الناس. أي فلسفة تبقى حبيسة الكتب والمحاضرات، دون أن تترجم إلى حلول لمآسي الإنسان وأسئلته اليومية، هي فلسفة ميتة قبل أن تولد.
الفلسفة الحية هي التي تشاركك همك، وتضيء دربك، وتجعلك أكثر إنسانية، أكثر فهماً، أكثر قدرة على العطاء. أما الفلسفة الميتة فهي التي تثقل عقلك بمصطلحات لا معنى لها، وتترك قلبك فارغاً وواقعك كما هو.
الخاتمة: عودة إلى الجذور
حان الوقت لإعادة الفلسفة إلى حيث بدأت: إلى الشارع، إلى المقهى، إلى قلب الإنسان البسيط. فلنرفع هذا الحجاب المصنوع من المصطلحات المعقدة، ولنتحدث بلغة الحياة نفسها. الفلسفة ليست ترفاً نخبوياً، بل هي ضرورة إنسانية، هي الهواء الذي تتنفسه العقول الحرة.
لنترك "المتفلسفين" وأبراجهم الورقية، ولنعود إلى فيلسوف الحياة اليومية، الذي لا يحتاج إلى مصطلحات معقدة ليخبرنا أن الحب جميل، وأن العدل ضرورة، وأن البحث عن المعنى هو ما يجعل حياتنا تستحق أن تعاش.
الفلسفة الحقيقية لا تحتاج إلى منجم لفك طلاسمها، بل إلى قلب منفتح وعقل متأمل. فهي ليست لغزاً، بل هي الضوء الذي يكشف الألغاز.
التعليقات