لا يمثّل الجمال صفةً قائمة في الأشياء بذاتها، كما لا يعدّ إسقاطًا ذاتيًا للوعي؛ إذ لو كان صفةً موضوعية محضة، لكان كل اتساقٍ جميلاً بالضرورة ولتطابق فيه الإدراك البشري حتمًا. ولو كان محض إسقاطٍ ذاتي، لاستحال إلى انطباعٍ نفسي منقطع الصلة ببنية العالم وانتظامه.

ينشأ الجمال في المجال الفاصل بين بنيتين: بنية تكتمل خارجنا كنمطٍ مستقر، وبنية إدراكية تمتلك الاستعداد لاستقبال ذلك النمط.

إن الوجود لا يقصد الجمال، لكنه حين يبلغ درجة قصوى من الاتساق البنيوي والإغلاق الوظيفي، يتيح إمكانية الانكشاف. وفي المقابل، لا يتوهم الوعي الجمال، بل يلتقط — بحكم بنيته — لحظة التوافق مع النمط الخارجي ويختبرها كخبرة جمالية.

بهذا المعنى، لا يعود تفاوت أحكام البشر في الجمال دليلًا على اعتباطية الأذواق، بل أثرًا لتفاوت العتبات الإدراكية وقدرة البنى العصبية على استيعاب تعقيد الأنماط.

الجمال، في التحليل الأخير، ليس ماهيةً تسكن الشيء ولا وهمًا يسكن الذات؛ إنه أثر الاقتران حين يلتقي اكتمال النمط مع كفاءة الاستقبال.