العلاقات ليست مهارة اجتماعية ولا ترفًا أخلاقيًا يُضاف إلى الإنسان بعد اكتماله، بل هي البنية التي يتكوّن داخلها الإنسان أصلًا. كل محاولة لفهم الإنسان خارج علاقاته هي محاولة فاشلة، وكل ادعاء بالوعي أو الثقافة لا يصمد داخل علاقة إنسانية هو ادعاء زائف مهما بدا براقًا.

نحن نعيش زمنًا يُختزل فيه الوعي في المعرفة، وتُقاس فيه القيمة بعدد الكتب والمصطلحات، بينما يُهمل المعيار الوحيد الذي لا يمكن تزويره: كيف تتعامل مع البشر؟

الإنسان ككائن علائقي

الإنسان لا يُولد بوعي مكتمل، بل يتشكّل وعيه عبر الاحتكاك بالآخر. اللغة علاقة، والقيم علاقة، وحتى الأفكار لا تنمو إلا داخل سياق إنساني. من لا يفهم العلاقات لا يفهم الإنسان، مهما ادّعى من عمق فكري أو فلسفي.

العلاقة هي المساحة التي ينكشف فيها الإنسان على حقيقته، بعيدًا عن الأقنعة الفكرية. فيها يظهر ضبط النفس، والاحترام، والقدرة على الاعتذار، أو يظهر نقيض ذلك كله.

وهم المعرفة المنفصلة

أخطر ما أنتجه العصر الحديث هو وهم أن المعرفة وحدها تصنع الإنسان. هذا الوهم خلق نماذج مشوّهة: أشخاص يملكون خطابًا ثقافيًا متضخمًا، لكنهم عاجزون عن إدارة خلاف بسيط، أو تحمل مسؤولية خطأ، أو احترام حدود الآخرين.

المعرفة التي لا تمر عبر التجربة الإنسانية تتحول إلى عبء نفسي، وتنتج عقلًا متصلبًا يرى الآخرين إما أتباعًا أو خصومًا. هنا لا تعود المعرفة أداة فهم، بل وسيلة هيمنة.

المثقف الزائف

المثقف الزائف ليس الجاهل، بل من قرأ أكثر مما يحتمل وعيه. هو شخص تكدست في عقله أفكار لم تهضمها التجربة ولا الأخلاق، فخرجت في صورة استعلاء، وسخرية، وتشوه علائقي.

هذا النموذج يستخدم المعرفة لإثبات التفوق، لا لبناء المعنى. يدخل العلاقات بعقلية الانتصار لا التفاهم، ويعجز عن الاعتذار لأنه يرى الاعتراف بالخطأ تهديدًا لهويته الفكرية. علاقاته دائمًا مأزومة، لأنه لا يرى الإنسان، بل يرى مرآة لذاته.

الجاهل قد يتعلم، أما المثقف الزائف فيقاوم التعلم لأنه أسير صورة صنعها لنفسه.

العلاقات كمقياس للثقافة

الثقافة الحقيقية لا تظهر في الخطاب، بل في السلوك. في طريقة إدارة الخلاف، وفي القدرة على الصمت، وفي احترام الفروق الفردية. المثقف الحقيقي هو من يجعل المعرفة أداة تهذيب لا أداة قسوة.

العلاقات هي الامتحان الذي لا ينجح فيه المتصنّعون. من يفشل فيها يفشل في فهم الإنسان، ومن يفشل في فهم الإنسان يفشل في الحكمة مهما بلغ من علم.

خاتمة

العلاقات ليست هامش الحياة، بل جوهرها. ومن يظن أن بإمكانه تجاوز هذا الجوهر بالكتب أو المصطلحات يعيش في وهم ثقافي خطير.

الإنسان لا يُقاس بما يعرف، بل بما يُحدثه في حياة الآخرين. وكل معرفة لا تُصلح العلاقة، لا تُصلح الإنسان.

ملاحظة: محتوى المقال ناتج عن تجارب شخصية متنوعة، والمقال يحتاج إلى دراسة عميقة ليتحول إلى كتيب أو كتاب.

-مُحَمَّدُ القَطِيفِي