إلى أي مدى يمكن اعتبار الفضيلة مجرد نقطة وسط بين رذيلتين؟

رأى أرسطو في كتابه "علم الأخلاق إلى نيقوماخوس" أن الفضيلة هي حالة وسط بين رذيلتين، أي إنها الاختيار المعتدل للإنسان بين الإفراط والتفريط.

فأرسطو يرى أننا يمكن أن نختار (فضيلة) الشجاعة إذا ابتعدنا عن (رذيلة) الجبن، وابتعدنا عن (رذيلة) التهور. فتكون الشجاعة في مكان وسط بين الجبن والتهور.

كذلك يمكننا أن نختار (فضيلة) الكرم بين (رذيلة) البُخل، و(رذيلة) الإسراف.

وينطبق ذلك على (المودة) تكمن في مكان وسط بين (الفظاظة، والنفاق).

لكن انتقد "العقاد" هذا الرأي لأرسطو في الفضيلة، فيقول: "أن كل فضيلة عند أرسطو هي وسط بين رذيلتين، كأن الاختلاف في الفضائل والرذائل هو مجرد اختلاف في درجات الزيادة والنقصان، وبالتالي هو لم يحدد الفضيلة حسب جوهرها الخاص والحقيقي".

فالاختلاف بين الفضائل والرذائل لا يجب أن يكون فقط مسألة درجات، بل لابد أن يعتمد على المعادن الطبيعية لهذه الفضائل والرذائل، ويعتمد جوهرها بذاتها.

كما أن تفسير أرسطو للفضيلة يمكن تلخيصه: "على الإنسان أن يجتنب الخطأ بالزيادة عن الحد ويجتنب الخطأ بالنقص عن الحد. والواجب هو: أن لا تفعل أكثر من الواجب، ولا أقل من الواجب".

في تعريف الفضيلة: إلى أي مدى أصاب العقاد، وإلى أي مدى أصاب أرسطو في رأيك؟


رأي أرسطو عقلاني جداً وهو قريب من مفهوم القرآن الكريم ،فقد أشار في بعض الآيات الكريمة الى التوسط بين رذيلتين اي الاعتدال

“ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً"

التوسط في الانفاق بين البخل (غلق اليد ) و الأسراف.

“ولا تمشِ في الأرض مرحاً… واقصد في مشيك واغضض من صوتك"

وفي هذه الآية اراد الاعتدال والتوازن في المشي والصوت فهي دعوة الى الاعتدال في السلوك .

“كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين"

وهنا ايضا يحث على الاعتدال في تناول الطعام فلا أفراط ولاتفريط.

لكن هذا لا يصلح مع كل الفضائل والاخلاق، فكلام أرسطو قد يكون صحيح إن تحدثنا عن السلوكيات بين إمساك وتفريط، لكن هناك صفات وقيم لا يصلح معها ذلك فمثلا الصدق ليس وسط بين الكذب والصمت بل هو معنى مستقل بذاته

بالتأكيد هناك فضائل لايوجد فيها خيار وسط ،صحيح أن أرسطو يرى الفضيلة وسطًا بين رذيلتين، وهذا ينطبق بوضوح على الفضائل العملية التي تتعلق بالسلوك والانفعال، كالشجاعة (بين الجبن والتهور)، والكرم (بين التبذير والبخل). لكن لا يصح تعميم هذا المفهوم على كل القيم الأخلاقية.

فبعض الفضائل ليست “وسطًا” بين ضدين، بل هي قيم مطلقة في ذاتها، كـ الصدق،العدل، الأمانة

فهناك فرق بين القيم السلوكية المرتبطة بالغريزة والانفعال

والقيم المطلقة بحد ذاتها.

اعتراض العقاد في رأيي اعتراض عقلاني، فأرسطو لم يحدد مقدار هذا (الوسط) بأدلة تدل عليه، إنما اعتمد فقط أن لا يكون الفعل الإنساني متطرف أقصى اليمين أو أقصى اليسار، لكن بناءاً على ذلك هناك درجات كثيرة لا نهائية بين اليمين واليسار، فتكون إجابة أرسطو على أي سؤال عن الفضيلة هي: افعل الصواب، دون أن يحدد ما هو هذا الصواب.

على عكس ذلك فالقرآن الكريم وعلم الفقه قد حددا درجات الصواب، ويقارن الفقه بين درجات الفعل من حيث الصواب، ومن حيث الخطأ، ويخبرنا كيف نختار.

أرسطو فتح بابًا فلسفيًا مهمًا في الحديث عن التوازن النفسي والسلوكي، لكن فلسفته تفتقر إلى التحديد التطبيقي. بينما القرآن والفقه الإسلامي يقدمان نظامًا قيميًا واضحًا، فيه مقادير ومدارج، مما يجعل الأخلاق قابلة للتطبيق الواقعي ضمن معايير العدل والحكمة

أرسطو لا يقدّم إجابات كمية ولا معيارية، بل يعتمد على “الحدس الأخلاقي” أو ما يسميه “العقل العملي”، وهذا لا يكفي لصياغة منظومة أخلاقية أو تشريعية يُحتكم إليها في الواقع.

أما القرآن الكريم وعلم الفقه الإسلامي، فيختلفان من حيث المنهج ،يضعان درجات محددة للفعل: واجب، مستحب، مباح، مكروه، حرام.

ويحددان نتائج كل فعل: الثواب أو العقاب