ماهو المكان الذي تعتبره بيتك؟ السكن من وجهة نظر فلسفية:

منذ مجيء كورونا وعودة البشرية إلى كهفها الأول ( البيت) تحولت الفلسفة فجأة نحو المنزل الذي صار فجأة هو الآخر مساحة العالم الوحيد التي يلوذ بها الأحياء من أجساد بعضهم بعضا بتعبير فتحي المسكيني، فوجدت الفلسفة نفسها هاربة من التفكير في المدن الفاضلة وغير الفاضلة إلى هذا المكان الضيق الذي يسمى السكن، والمشكلة أنها لم يتم العثور عن معنى واحد لما كنا نعتقد أنه واضح وبديهي.

اختلف الفلاسفة حول ماهو البيت بين :

  • من يرون أن البيت هو مكان الإنتماء والهوية: وهذه هي النظرية التقليدية منذ ارسطو، فالمكان هو الحيز الذي ننتمي إليه جسديا وثقافيا.
  • من يرون أن البيت هو مكان الذكريات: فأي مكان لنا فيه ذكريات حميمة، تجارب أحاسيس معينه نشعر بأنه بيت ومسكن .
  • من يرون أن المكان هو الأمان: أي حيز نشعر فيه بالثقة والراحة والأمان فهو مسكننا، قد يكون هذا المسكن شخصا مثل آباءنا والأشخاص الذين نحبهم، قد يكون بيت الجد، بيت الخال، الحارة..الخ
  • من يرون أن البيت هو المكان الذي نبني فيه علاقاتنا العميقة، فالمنزل لا يتعلق فقط بالمساحة المادية للبيت بل مكان العلاقات التي نبنيها، المكان الذي يوفر لنا تواصل حميمي مع أحبائنا، لذلك نجد الناس في المخيمات مازالت تشعر بشعور البيت رغم أنه ليس بيتا بالمعنى المتعارف عليه، لكن لوجود أحبتهم فيه اعتبروه بيتا.
  • من يرون ان المكان هو الذي نشيده فأيدينا ليشبهنا، نبنيه حسب ذوقنا وخالنا الخاص في بناء منزل أحلامنا: بيت بحديثة خلفية، وصالون كبير..الخ ويعتقدون أن الشقق التي يتم اكتراءها أو شراءها جاهزة ليست بيتا حقيقا لأنها لا تشبهنا .

في رأيك الخاص ما هو المكان الذي تشعر أنه بالفعل بيتك؟ ماهي صورة البيت الحقيقي في مخيلك؟ هل تعتبر شقق الاجار بيتا؟


ما هو المسكن فعلا؟ و لما المسكن سمي اصلا مسكنا؟

لا يمكننا ان نأخذ حيز الجدران التي هي من طوب و اسمنت و نعتبرها مسكنا اذ قيل ان المسكن قد يكون شخصا أيضا أو شيئا، فليس كل شخص يعيش رفاهية أن يحس بطمئنينة أو حتى تكوين هوية في ذاك الحيز المادي"بيت"... و هو ما يقودنا لحقيقة أن المسكن قد يتخذ تمظهرا في روح أخرى أو شيء مادي آخر مهما كان صغيرا أو بسيطا، إذ تتمحور حقيقة المسكن حول ما يمكن أن يشعر به الشخص من كمال و أمان، في كونه يحس بأحقية أن يملك نفسه في ذاك الحيز مادي أو معنوي كان... المسكن بالنسبة لي و سأقول أنه الفراغ الذي أجد فيه نفسي متصلة بالعالم، المسكن الذي يوفر لي السكينة حتى لو كان قطعة شوكولاته لذيذة، لذا بالنسبة لي فالمسكن الذي في مخيلتي حر من التشكل، مسكن يمنحني عنوانا و عليه قد يكون كتاب، شخص، وقت فراغ أقضيه اتسكع بين الشوارع... ممارسة هوية ما، او حتى محادثة نفسي.

 فالمسكن الذي في مخيلتي حر من التشكل

تعبير جميل ، فنتازي جدا لكنه لا يتناسب مع معطيات الواقع العيش ، وقت يتسبب لك في بعض المشاكل النفسية او التباعد الفكري المؤلم عن الواقع ، فقد تضطرين للعيش في مكان لا يشبه مخيلتك ولا بيتك الفيروزي العصفوري الجميل ما يجعلك في غربة عن ذاتك وتبحثي عن الامان طول الوقت .

أفهم ذلك, الواقع فعلا مختلف تمام الاختلاف عما يمكن التفكير فيه أو حتى تخيله،

و الاجابة النطية عن المسكن ستكون طبعا البيت حيث أمان الجدران الاربع و الاسرة و العائلة، لكن دائما النفس البشرية تميل لخلق عالم موازي للعيش و التحمل، قيل اذا لم تجد ما تقراه اكتبه، اذا لم تجد ما تسمعه اصنعه و هكذا.... و في هذا تعبير مجازي على انه يمكننا خلق عالم خاص بنا، يوازي ذاك الذي نعيشه، قد يعبر الأمر عن ازدواجية متناقضة قوامها ثنائية الواقع و الخيال وما الخيال في واقعه سوى تصوير فادح الوضوح للواقع، لما نريد الا نفكر فيه و ما نريد ان نرتاح منه لفترة وجيزة نتنفس فيها... هكذا يمكن ان يصبح الخيال هو مسكن من نوع آخر، كزوج يعود لحضن زوجته بعد يوم مرهق وشاق، يمكن ان يكون المسكن الموازي أيضا هو محطة راحة.