ما هي النظرة الحالية للماورائيات في ظل التقدم العلمى والتكنولوجى الهائل وفي ظل الصراعات والضغوط النفسية التي يتعرض لها الإنسان المعاصر؟

   الماورائيات هي غيب مطلق لم يراه أحد، ولم يتواصل معه، ولكن كان يوجد بعض الاستثناءات الخاصة بالأنبياء وانقضت بالرسالة الخاتمة، وبما أن الماورائيات تقع فى نطاق الغيب، و لن يتثنى لنا رؤيتها فمعلوماتنا عنها مقتصرة فقط على ما ورد عنها بالأديان السماوية.

وفي العصر الحالي في ظل التقدم التكنولوجى المذهل رفض الكثيرين فكرة وجود الماورائيات واعتبروها حياد تام عن العلم فهم لا يؤمنون إلا بما هو خاضع للقياس الحسي، أو يمكن أن يصاغ في نظرية رياضية أنيقة لا تتنافى مع القواعد العلميةالمتعارف عليها. وبما أن الماورائيات غير قابلة للقياس الحسىي أو للصياغة النظرية وذلك لكونها غير قابلة للقياس فتم إنكارها بتاتاً.

    ونرى على طرف النقيض من يقحم الماورائيات في كل تفاصيل حياته ويعزو لها كل مشكلة أو أزمة تصارعه في حياته، فإنسان اليوم يواجه صعوبات جمة وصراعات نفسية مدمرة ولذلك يعتبر السحر و الحسد وتسلط الجن عليه شماعة مناسبة ليعلق عليها فشله في التنافس الطاحن الذى يواجه، ويعلق عليها ضغوطه النفسية ومعاناته .

ما موقفكم من الماورائيات: هل تؤمنون بوجودها أم لا؟ وما هو مدى إيمانكم بتدخلها فى مسار الحياة الإنسانية؟


الماورائيات :هل تؤمنون بوجودها أم لا ؟

من منظور فلسفي يستعصي تحقيق مباحث الميتافيزيقا من وجهة نظر العلم، باعتبارها تتخطى حدود الطاقة الإدراكية - التجريبية- للإنسان، وهذا ما صرح به كانط من قبل.

أول ملاحظة يجب أخذها بعين الاعتبار؛ ما هي الماورائيات؟ في الفلسفة تترجم لمصطلح الميتافيزيقا، وهذا المبحث الفلسفي العظيم في تاريخ الوعي الفلسفي، قسمه الفلاسفة إلى ثلاثة حقول، الأنطولوجيات، والنفسيات، والكوسمولوجيات، وأحيانا هناك من يستبدل الكوسمولوجيا بالإلهيات، كما فعل فلاسفة الإسلام. أي يتضمن هذا المبحث ثلاثة مفاهيم (مشكلات) : مشكلة وجود الله (الإلهيات)، ومشكلة خلود النفس (الإنسانيات)، ومشكلة الوجود: الحرية والحب والسعادة (الأنطولوجيات)، ثم الكوسمولوجيا أي سؤال هل العالم يسير وفق غاية؟ وهل أحداثه تنتظم في سلسلة سببية؟... وهل وجود العالم ضرورة أم مجرد إمكان، وانه كان من الممكن أن لا يكون؟

سأختصر المداخلة في ما أورده كانط في هذا الحقل، باعتبار أن الفلاسفة المعاصرون يتمسكون بهذا الموقف الكانطي..

كانط عندما نقد الميتافيزيقا قال بأن "العقل لا يستطيع أن يصل إلى تأسيس الماوراء الطبيعة، وحدَّه (أي العقل) بحدود وسياجات، وجعله مشدودا إلى العالم الحسي، ومبتعدا عن القفز إلى الماوراء. وقد قال عبارة أخرى، وهي للأسف تحمل حزنا فلسفيا، يقول فيها:" إن العقل ليس ترفا (أي شبعا) منه أن يفكر في ماوراء الطبيعة، لا تظن أن الفلاسفة كانوا سُذجا إستعملوا العقل للبحث في الماوراء وهم يظنون أن لا قدرة لهم على الخوض فيها، هناك حاجة غريزية في داخل الإنسان تدفعه إلى البحث في الماوراء".

هذه الحاجة هي في نظري "الإيمان"، فالإنسان بحاجة إلى الإيمان بمثل عليا كي يعيش حياة مطمئنة.

وأضيف عبارة شهيرة لشوبنهاور، عن الإنسان، تقول:" إن الإنسان كائن ميتافيزيقي".

هذا الإلحاح على الميتافيزيقا، يعني أن النفس لا يمكن أن تستقر في الوجدان والعقل دون أن تتحصل إجابات ميتافيزيقية؛ لماذا أنا هنا؟ من خلقني؟ كيف ذلك؟ لا يمكن العيش بدون هذه الأسئلة.

لكن مع ذلك يجب التنبه إلى أن هذه الإجابات التي تأتينا بواسطة الإيمان لا يعني أنها "معقولة" ويقبلها العقل بصفة ضرورية مطلقة. فأحيانا يحصل للإنسان أن يسائل معتقداته السابقة، ويشك فيها، يشك في حبه، في مدى أخلاقيته، في حريته، في وجوده. وهذا هو عمل الفلسفة، ونُبْلَها الحقيقيين، باعتبارها تُخرجنا من حالة القصور والعجز، إلى حالة الأنوار.

وتحية طيبة.

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

تعليق رائع و عميق ،و قد تناول أبعاد عدة من الموضوع،و أضاف إليه الكثير .