محاولة للفهم وليس الإدانة
هذا المقال ليس إدانة او انتقاص لأحد، ولا تبريرًا لآخر، بل هو محاولة لفهم ما جرى من منظور استراتيجي-تاريخي فالتاريخ حلقات مكرره ومن لم يقرأ التاريخ لم يفهم الحاضر ولم يستعد للمستقبل.
ما هو الفرق بين 1945 & 2023؟ إنها بضعة سنوات لا تذكر في اعمار الأمم لكنها مليئة بالأحداث والعبر لما يريد التعلم.
أمريكا بعد قصف اليابان لميناء بريل هاربر ومقتل حوالي 2400 امريكي حيث ظنت اليابان ان هذه الضربة القوية ستدفع أمريكا الي طاولة المفاوضات وهي مترنحه مما يمنح اليابان افضليه تفاوضية - لكن أمريكا قررت الانتقام ولكنه ليس انتقام عادي ولكن انتقام ساحق لاستعادة الهيبة وتأديب الفأر الذي ظن انه يمكنه مناطحة الفيل ولذلك كان الرد ساحقا بقصف طوكيو بالقنابل الحارقة مما اودي بحياة 100 ألف مدني على الأقل ثم قصفت هيروشيما ونجازاكي بالقنبلة النوويه الذي اودي بحياة 200 ألف مدني أخرين – وكان ذلك أيضا اعلان بمولد عملاق جديد في الساحة العالية يرث الإمبراطورية الإنجليزية والفرنسية وكذلك تقديم الدرس للجميع بعدم استفزاز العملاق الجديد لأن الرد سوف يكون ساحقا وهذا طبعا ليس علي الجانب العسكري فقط ولكنه ينسحب علي جميع الجوانب الأخرى سواء كانت السياسية او الاقتصادية (وهي الجانب الأهم).
إسرائيل بعد عملية طوفان الأقصى 7 أكتوبر 2023 ومقتل وأسر 1000 إسرائيلي قررت تأديب الجميع في المحيط الاقليمي والانتقام الساحق من جميع الأعداء مستلهمتا النموذج الأمريكي في الردع فقتلت أكثر من 60 ألف فلسطيني ودمرت قطاع غزة ودمرت حزب الله في لبنان واعادته خلف نهر الليطاني وقتلت قياداته وهاجمت سوريا واحتلت مزيد من الأراضي السورية وجبل الشيخ وهاجمت إيران وقتلت قيادات الجيش والحرس الثوري وأوقفت البرنامج النووي..
تري هل المخطط لعملية 7 أكتوبر كان قارئ جيد للتاريخ ومحلل جيد لأحداثه؟؟؟
والسؤال الأهم. هل استفادت القضية الفلسطينية من هذه العملية وفق المعايير المكسب والخسارة سواء عسكريا او سياسيا؟؟
للدراسة يجب ان نفهم أسباب عملية 7 أكتوبر وفق الرؤية الفلسطينية وهي كما يلي: -
· انسداد الأفق السياسي وعدم وجود حل سياسي منظور او حتى على مدي زمني.
· هرولة الدول العربية للتطبيع مع إسرائيل مما يفقد القضية الفلسطينية الزخم والقدرة على التأثير على القرار العربي وسوف تصبح المصالح المشتركة هي المحرك الأساسي.
· التوسع الاستيطاني المتسارع ونقل السفارات الغربية للقدس مما يفرغ القضية من مضمونها.
المكسب المنظور للعملية بالنسبة للجانب الفلسطيني هو انها استفزت الفيل واصابته بالجنون واهانت كبرياؤه واستطاعت شفاء بعض من الغليل بأسر بضع مئات من الإسرائيليين واذاقتهم مرارة السجن والاسر مدة سنتين حتى الان - ولكن كان الثمن فادحا.
في قطاع غزة وحدة تم قتل ما يقارب ال 60 ألف فلسطيني وجرح ما يقارب 100 ألف حسب الأرقام المعلنة من الصحة الفلسطينية وتفشي المجاعة والامراض حسب تقارير الأونروا وتدمير القطاع بشكل شبة كامل (المباني والشوارع والبنية الأساسية) وأصبح غير صالح للحياة وبذلك زاد عدد اللاجئين الفلسطينيين بدلا من 5 مليون تم إضافة مليون ومائتي ألف اخرين هم سكان القطاع كاملا ولكن هذه المرة ليسوا خارج فلسطين بل داخلها هذا غير القنابل التي لم تنفجر والتي تجعل مهمة أعادة الاعمار عملية غاية الصعوبة ومرتفعة التكاليف.
هذا الجانب الإنساني والمادي اما بخصوص الجانب السياسي هل اقترب حلم الدولة الفلسطينية من التحقق؟
هل هناك أي إشارة ولو من بعيد إليه وهو لب القضية؟
التفاوض الان على انهاء الحرب والانسحاب من القطاع مقابل عودة الاسري الإسرائيليين، باختصار العودة الي يوم 6 أكتوبر 2023 ولكن بعد كل هؤلاء الضحايا وكل هذا الدمار الفلسطيني.
اذا هل استفادت القضية الفلسطينية بمغامرة 7 أكتوبر 2023 ؟
هل غياب الأفق السياسي والخطط الممنهجه منع استغلال نجاح عملية 7 أكتوبر سياسيا في تحريك القضية الفلسطينية وتحقيق مكسب سياسي ولو حتى على المدي القصير؟
قيل انه تم الاعداد لهذه العملية لمدة سنتين كاملتين ولكن هل تم الاعداد لما بعد هذه العملية حال نجاحها؟ اعتقد ان مدة السنتين للتخطيط العسكري للعملية كانت كافية أيضا للتخطيط السياسي للاستفادة من نتائجها لكن للأسف الواقع لا يقول ذلك وكل ما يحدث من الجانب الفلسطيني هي ردود أفعال وليس بناء على خطه مدروسة لتحريك الاحداث للوصول للهدف الرئيسي للقضية – ام انه كان هناك انفصال تخطيطي بين الجناح العسكري والجناح السياسي للفصائل؟
ربما ظن المخطط الفلسطيني نفس الظن الياباني ان الضربة القوية والانتصار المفاجئ سوف يجلب الجانب الإسرائيلي الي طاولة المفاوضات مترنحا ولكن لو كان هذا هو حقيقة التخطيط فهو يظهر خلل كبير في القراءة التاريخية لإسرائيل الحليف الأكبر لأمريكا والمنفذ الأول لسياستها في المنطقة وان سياستهما قائمة على القوة والردع وكذلك يهمل تاريخ الدولة القائم على عصابات مسلحة تحولت الي كيانات سياسية وقادة العصابات تحولوا الي زعماء سياسيون.
الخلاصة: يمكن القول بكل وضوح ان الانتصارات العسكرية وحدها لا تكفي لحل النزاعات خاصة في ظل الخلل الكبير في ميزان القوي بل انها وسيلة ضغط مؤقته سوف تؤدي الي نتائج كارثية لو لم يتم توظيفها سياسيا وفق رؤية مخططه.
التعليقات