الأحاديث التي وردت في قتل الكلاب كانت في فترة زمنية محددة لسبب صحي ووقائي، فقد كان في المدينة المنورة كلابٌ كثيرة مصابة بداء الكلب (السعار) الذي ينتقل للإنسان ويقتله، وكذلك كانت تؤذي الناس. فلما كثرت الكلاب المسعورة والمؤذية، أُمر بقتلها حماية للناس.
ثم جاء بعد ذلك النسخ أو التخصيص، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا الكلب مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقى فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له". قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجراً؟ قال: "في كل كبد رطبة أجر".
فهذا يدل على أن الأصل في التعامل مع الكلاب هو الرحمة، والقتل كان لمصلحة صحية استثنائية.
ثانياً: مسألة النجاسة
الفقهاء لم يذهبوا إلى نجاسة ذات الكلب، بل نجاسة لعابه فقط، وهذا من باب الاحتياط الصحي، لأن لعاب الكلب يحمل أمراضاً خطيرة. والطهارة في الإسلام ليست تعنتاً بل رعاية لصحة الإنسان. ومع ذلك، فقد أجاز الشرع اقتناء الكلاب للحرث والصيد والحراسة، كما ثبت في الصحيحين.
ثالثاً: الحديث عن الجن
الرواية المذكورة عن ابن عباس لا تصح سنداً، فهي من رواية الدولابي في كتابه "الكنى" وهو كتاب في الأسماء وليس في صحيح الحديث، وهي رواية ضعيفة لا يعتمد عليها في العقيدة. وعامة أهل السنة لا يقولون بهذا.
أما تعبير "جماعة من الملاعين الخنازير" الوارد في النص، فهذا إساءة لا تصح في حق علماء الامة الذين كرمهم الله في القرآن وعظم شانهم فقال {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}[المجادلة: 11] وفي هذا ذكر سبحانه المومنين وامتاز منهم العلماء وقال {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}
[فاطر: 28]
فاولي الناس بخشية ربهم هم العلماء ثم نحن نقلل من شانهم ونسبهم هكذا؟ وقال تعالي {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ}
[آل عمران: 18] فقرن شهاده سبحانه بشهادة الملائكة ثم شهادة العلماء وفي ذلك تعظيم لشانهم وقال تعالي {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ}
[الحجرات: 11] وقد بين سبحانه في هذا ان التنابز بالالقاب مذموم في ذاته وفسوق فكيف ونحن تصف فئة كرمها الله سبحانه وتعالي وجعلهم حملة لرسالته مع المرسلين وميزهم عن باقي المومنينن وجعل الاقتضاء بهم واجب فقال {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}
[النحل: 43] واهل الذكر هم العلماء ودلات ذلك قوله "إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" فإن انتفي العلم وجب سؤال من يعلم ومن هنا يتبين ان اهل الذكر هم العلماء فكيف لنا ان نحط من شانهم هكذا؟
خامساً: الرحمة في الإسلام
الرحمة أصل عظيم في الشريعة، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]. والأحكام الشرعية كلها رحمة، حتى ما قد يبدو للبعض من باب التشديد فهو رحمة في حقيقته. فالأمر بقتل الكلاب في وقت معين كان رحمة بالناس من داء الكلب، كما أن نجاسة اللعاب رحمة بصحتهم.
التعليقات