قال الله تعالى في قصة موسى عليه السلام: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ (طه: 39). هذه الآية العظيمة تعبر عن مفهوم بالغ العمق في التربية الإلهية والتهيئة للمهام العظيمة، حيث يوضح الله سبحانه أنه كان يُعدّ نبيه موسى عليه السلام منذ ولادته ليكون رسولًا وقائدًا لبني إسرائيل، فيصنعه على عينه، أي بعنايته الخاصة وتدبيره الحكيم.

التربية الإلهية والابتلاء

"الصناعة على عين الله" لا تعني حياة مريحة بلا اختبارات، بل تعني أن كل تجربة، كل محنة، كل موقف يمر به الإنسان هو جزء من التشكيل الإلهي الذي يجعله أهلاً للمهمة التي أُعدّ لها. موسى عليه السلام نشأ في قصر فرعون، لكنه لم يكن بعيدًا عن المعاناة، فقد مرّ بالمحن منذ صغره، من خطر القتل إلى النفي والتيه، وكان كل ذلك جزءًا من الإعداد الإلهي له.

وهذا يذكرنا بأن الابتلاءات قد تكون في ظاهرها قاسية، لكنها في حقيقتها تشكيل وتنقية وصقل. فالله سبحانه يختبر الإنسان ليقويه، ويدفعه نحو تحقيق الغاية التي خلقه من أجلها.

علامات الصنعة الإلهية في حياة الإنسان

  1. العناية الخفية: أحيانًا يمرّ الإنسان بمواقف صعبة لكنه ينجو منها دون أن يدرك كيف حدث ذلك. هذا لون من العناية الإلهية الخفية التي تدبر الأمور بطرق لا نراها.
  2. توجيه القلب والفكر: قد يجد الإنسان نفسه مدفوعًا نحو طريق معين، أو يمرّ بتجارب تصقل فكره وتربي قلبه، وهذا جزء من صناعة الله له.
  3. المحن التي تبني القوة: مثلما صُنع موسى عبر الابتلاءات، فإن المؤمن يُعدّ من خلال الصبر على الأقدار، حتى يكون جاهزًا لما كُتب له.

كيف نصنع على عين الله؟

  1. الصبر على الأقدار: إذا كنت تمرّ بمحنة، فكن على يقين أن الله يصنعك لأمر عظيم، وأن كل لحظة هي جزء من تهيئتك لمستقبل لا تعلمه.
  2. التسليم والثقة بالله: لا شيء يحدث عبثًا، وما دمت في طريق الطاعة، فكل ما يمر بك هو جزء من خطة الله لك.
  3. التعلم من التجارب: بدلًا من الجزع عند المحن، فكر: "ماذا يريد الله أن يعلمني؟ كيف يمكن أن تجعلني هذه التجربة أقوى؟"

أمثلة على علامات الصنعة الإلهية في حياة الإنسان:

1. النجاة من المخاطر دون تفسير واضح

أحيانًا يتعرض الإنسان لمواقف خطيرة، كحادث مروري أو مرض شديد، لكنه ينجو بطريقة غير متوقعة. هذه الحماية ليست صدفة، بل هي عناية إلهية تحيط به ليبقى حيًا من أجل دور مستقبلي قدّره الله له.

🔹 مثال: النبي موسى عليه السلام وُضع في التابوت وأُلقي في النهر، لكن الله هيّأ له النجاة بطريقة لم تكن تخطر على بال أحد، بل وصل إلى قصر فرعون نفسه!

2. المرور بابتلاءات تُشكل شخصية الإنسان

الله يضع عبده في ظروف معينة ليكتسب صفات يحتاجها لاحقًا. قد تمرّ بظروف صعبة في الطفولة، أو فقر، أو فقدان، لكنك بعد سنوات تدرك أن هذه التجارب كانت إعدادًا لك لمواجهة تحديات أكبر.

🔹 مثال: يوسف عليه السلام مرّ بالخذلان والسجن والابتلاءات، لكنه أصبح عزيز مصر بفضل ما تعلمه من صبر وحكمة خلال تلك المراحل.

3. دفعك لطريق معين دون تخطيط منك

أحيانًا تجد نفسك تتجه لمسار معين في حياتك لم تخطط له مسبقًا، لكنه في النهاية يكون أفضل شيء حدث لك.

🔹 مثال: شخص يريد دراسة تخصص معين لكنه لا يتم قبوله، ثم يجد نفسه في مجال آخر يحقق فيه نجاحًا كبيرًا لم يكن يتوقعه.

4. وضع أشخاص معينين في طريقك

الله يرسل أشخاصًا في حياتك يكونون سببًا في توجيهك أو دعمك أو تعليمك شيئًا مهمًا.

🔹 مثال: النبي ﷺ في طفولته فقد والديه، لكن الله هيّأ له شخصيات مثل جده عبدالمطلب وعمه أبو طالب، ثم جعله يلتقي بورقة بن نوفل الذي طمأنه بعد نزول الوحي عليه.

5. اكتساب مهارات أو صفات دون أن تدرك قيمتها إلا لاحقًا

أحيانًا تتعلم مهارات أو تتعرض لتجارب لا تفهم فائدتها في البداية، لكنها تكون أساسية في مستقبلك.

🔹 مثال: موسى عليه السلام تربى في قصر فرعون، مما أعطاه فهمًا لأساليب الحكم والإدارة، وهي مهارات احتاجها لاحقًا لقيادة بني إسرائيل.

6. تعطيل بعض الأمور حتى يحين وقتها المناسب

قد تسعى لأمر معين لكنه لا يتحقق في حينه، ثم تكتشف لاحقًا أن التأخير كان لحكمة، وأنك لم تكن مستعدًا له في ذلك الوقت.

🔹 مثال: النبي ﷺ لم يُؤمر بالجهر بالدعوة إلا بعد 3 سنوات من نزول الوحي، حتى يكون قد استعدّ نفسيًا وعمليًا لمواجهة قريش.

الخاتمة

﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ ليست مجرد كلمات، بل هي منهج حياة. الله يربي عباده، ويصنعهم لمهام عظيمة، وكلما زاد الابتلاء، كان ذلك علامة على أن الله يعدّك لأمر كبير. فاثبت، وكن على يقين أن يد الله تعمل في الخفاء، تصنعك بحكمة، لتكون يومًا ما في المكان الذي أرادك الله أن تكون فيه.

عندما تتأمل في حياتك، ستجد أن هناك أحداثًا لم تكن تفهمها وقت وقوعها، لكنها كانت تصنعك على عين الله. فكل موقف، وكل تجربة، وكل شخص مرّ في حياتك، كان جزءًا من خطة إلهية لتأهيلك لما هو قادم. فقط ثق بالله، وكن صبورًا، وتأكد أنك تُصنع لحكمة عظيمة.