مفارقة جغرافية مرعبة أن تملك بلادنا ساحلا بحريا يمتد لثلاثة آلاف كيلومتر، ومع ذلك نعيش جميعا خلف أسوار مغلقة بالضبة والمفتاح، في وضع عجيب لم يحدث في تاريخ أي بلد آخر. أنا نفسي أعيش في مدينة ساحلية كالإسكندرية منذ تسع سنوات كاملة، ومع ذلك لا أرى البحر نهائيا، لقد حُرمت منه تماما كأنني لا أسكن مدينة ساحلية من الأساس.
الأمر تجاوز مجرد حجب الرؤية إلى احتلال كامل وممنهج للمساحات العامة؛ لقد جربت السفر بسيارات الأجرة حتى مرسى مطروح، وكانت الصدمة أنني ظللت لخمس ساعات كاملة أراقب سورا إسمنتيا متصلا يسير بمحاذاة السيارة بأقصى سرعتها، ثلاثمائة كيلومتر من الأسوار الخرسانية التي ترفع شعار ممنوع الاقتراب أو التصوير، وتحرمك حتى من مجرد النظر إلى الأفق.
هذا السرطان الخرساني امتد ليلتهم كل السواحل؛ شرم الشيخ، الغردقة، والعين السخنة التي ذهبت إليها بنفسي بحثا عن نافذة مفتوحة، فوجدتها مجرد قلاع مغلقة وقرى سياحية تفرض إتاوات باهظة تساوى ألاف الجنيهات ومنع كامل من الدخول لساعات قليلة إلا بإيجار يوم كامل ودون وجود حتى تذكرة مرور بسيطة.
لقد تبدل كل شيء، وأتذكر جيدا كيف كنا في صغرنا نذهب إلى العلمين ببساطة، نفرش ملاءة على الرمل وننصب شمسيتنا بحرية، والآن تحولت تلك الذكريات إلى شاليهات احتكارية واستغلال عنصري ينهب الحق الإنساني في الهواء.
الاحتلال لم يتوقف عند البحر، بل تحول إلى حصار يومي شامل؛ الحدائق، المنتزهات، النوادي، وحتى أماكن ركن السيارات، كل شبر في هذه البلاد أصبح خاضعا لرسوم جائرة ومكوس يجمعها أصحاب المال الحرام الذين ينهبون الأرض بالباطل.
هذا الإغلاق العام خنق المنافذ القليلة المتبقية وجعلها زحاماً مكدساً ومزعجاً، لدرجة دفعتني إلى العزلة التامة داخل غرفتي لسنوات طويلة تلافيا لهذا القبح، فأن تكون محبوسا في غرفتك أرحم بكثير من الخروج والندم على ذلك.
نحن نعيش تحت وطأة جريمة مكتملة الأركان وعقلية مريضة تعزل الطبيعة عن أصحابها، وحتى هؤلاء الذين يدفعون الملايين للشراء داخل تلك المنتجعات واهمون، فهم لا يملكون سوى جحرهم الصغير وممنوعون من دخول بقية القرى. ما يحدث هو محض فساد وسرقة علنية تفرض معركة حتمية لتهديم هذه الأسوار وتحرير الأرض وفتح الشواطئ بقوة القانون والضمير، ومحاسبة كل من اشترك في هذا الباطل أو موله
لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش