كلما تقدم الإنسان في العمر، فإنه يرى الذين مرّوا في حياته بطريقة مختلفة.
لا يتوقف كثيراً عند من رفعوا أصواتهم، ولا عند من ملأوا الدنيا كلاماً عن أنفسهم، بل عند أولئك الذين عاشوا بهدوء، وتعبوا بهدوء، ورحلوا بهدوء. أناس بسطاء، لم تكن حياتهم واسعة، لكنهم لم يضيّقوها بالسخط. كانوا يخرجون إلى العمل لأن البيت ينتظر، ويعودون متعبين لأن الحلال يحتاج سعياً، ويقبلون بما جاء لأنهم يعرفون أن الرضا لا يعني سهولة الحياة، بل احتمالها دون أن يسخط.
وحين يرحلون، تكتشف أنهم لم يكونوا مجرد أشخاص عابرين في حياتك، أو مجرد وجوه مألوفة اعتادتها عيناك؛ لقد كانوا في الحقيقة مرايا صامتة وشاهقة، تعكس في عمقها حقيقة وجودنا. في سكونهم، كنتَ ترى معنى الصبر الذي لا يثور، ومعنى الستر الذي لا يتباهى، ومعنى العزة التي لا تستجدي. لقد جسّدوا فلسفة العيش بأقل القليل؛ ليس عجزاً عن الطموح، بل ترفعاً عن عبادة المظاهر، مُثبتين بصلابتهم أن الإنسان يمكنه أن يمرّ من هذه الدنيا خفيفاً، محتفظاً بقدسية علاقته بربه، محافظاً على صون كرامته التي لا تُذبل تحت ضغط الحاجة.
ثم تسأل نفسك وسط أكوام الحياة:
كم مرة شكوت مما صبروا عليه؟
وكم مرة ضاق صدرك بما حملوه سنوات؟
وكم بقي فيك من قدرتهم على السير دون ضجيج؟
رحيلهم يجعلك تعيد قراءة نفسك؛ كأن غيابهم يقلب الموازين التي كنت تعيش عليها، فتكتشف أنك قضيت عمرك في سباقٍ محموم نحو بريقٍ زائف، بينما كانوا هم يختزلون الحياة في جوهرها النقي. لقد كانوا يمرون في الحياة بصمتٍ مطبق، ثم بعد رحيلهم فقط تفهم أن صمتهم لم يكن عزلة، بل كان درساً بليغاً في ضبط النفس، وأن تعبهم اليومي كان معنىً سامياً للتضحية، وأن رضاهم الذي ربما اتهمته في سرك بالضعف، كان في الحقيقة أذكى طريقة للنجاة من تفاهات الحياة.
فتكتشف أن بعض الناس لا يرحلون وحدهم؛ يرحل معهم جزء من طمأنينة كنت تستمدها من وجودهم، وراحة عجيبة كانت تغشاك لمجرد رؤية وجوههم؛ لقد كانوا المرساة التي تثبتك وسط أمواج أيامك العاتية، وبغيابهم تشعر أنك تائهٌ في بحرٍ هائج. تدرك حينها الفراغ الذي خلفوه، وتنظر إلى ماضيك معهم بأسفٍ وشوق، ويبقى منهم سؤال لا ينتهي: هل عرفنا حقاً قيمة ما كانوا يعلموننا إياه بصمتهم وتعبهم ورضاهم قبل أن يغيبوا ويتركونا في مواجهة الحياة بمفردنا؟!
التعليقات