كل ممنوع مرغوب حقيقة نفسية أم مبالغة تكذبها القوانين والواقع؟
تتردد مقولة كل ممنوع مرغوب كقاعدة نفسية تفسر الكثير من السلوكيات البشرية، حيث يبدو أن وضع حاجز حول شيء ما يحوله فجأة من أمر عادٍ إلى غاية مثيرة للفضول والاستكشاف. ما يظهر بوضوح في مواقف بسيطة ومعقدة على حد سواء؛ فعندما يُحظر كتاب، أو يُمنع نقاش في فكرة معينة، أو حتى عندما يُحرم الطفل من لعبة لسبب ما، تتوجه الأنظار والاهتمامات نحو ذلك المحظور تحديداً، وكأن غياب الإتاحة يمنح الشيء قيمة إضافية ومغرية لم تكن لديه في الأصل.
كثيرا افكر حول دوافع النفس وراء هذا السلوك، وما إذا كان الرغبة في الممنوع تنبع من قيمة الشيء ذاته، أم هي مجرد محاولة غريزية لإثبات الحرية وكسر القيود المفروضة. إن تأمل هذا الولع بالمحرمات والممنوعات يكشف عن طبيعة إنسانية تميل إلى رفض التوجيه الصارم رغم ايضا ان هناك نوع اخر من الممنوعات لا تلاقي هذا الاقبال وهي ببساطة الاشياء التي ينتج عنها خطر مباشر.
ولكن إن فكرنا أن الرغبة في الممنوع هي محاولة لإثبات الحرية وكسر القيود المفروضة فهذا لن ينطبق مع كل الأشياء. بل على العكس، الكثير من الأشياء لا يكون لها علاقة بالحرية او القيود. فمثلًا هذه الجملة احيانًا يقولوها الناس حين يكون هناك شخص معجب بفتاة من بعيد، فتقال هذه الجملة له. وفي رأيي السبب لا يكون محاولة لإثبات الحرية او ما شابه، بل السبب ببساطة هو أن الإنسان بطبعه يميل لتجميل الأشياء البعيدة عنه وصعبة المنال. فيهيئ له عقله أن هذه الفرصة أو هذا الشيءهو الأنسب وهو أكثر شيء جيد في الحياة، فيبدأ الشخص بالرغبة فيه كالتدخين مثلًا أو غيرها من الأمثلة.
لذلك من رأيي السبب الأهم هو تزيين العقل للأشياء البعيدة صعبة المنال.
نعم هذا معروف في علم النفس باسم الميل لتضخيم قيمة ما هو غير متاح أو غير مُجرب. لكن هذا التفسير يعمل أكثر في سياقات الرغبة والخيال، مثل الإعجاب عن بعد أو التوقعات قبل التجربة. لان مثلا هناك أشياء كثيرة الإنسان يراها بعيدة أو صعبة ومع ذلك لا تنشأ تجاهها رغبة أصلًا. ما معناه إن التجميل العقلي عامل مساعد وليس اساسي، لأن الرغبة نفسها تتشكل من تفاعل بين الفضول، والقيمة المتوقعة، والاحتياج النفسي، والبيئة الاجتماعية، ليس بسبب بُعد الشيء فقط.
التعليقات