مقتبس
" هؤلاء واجهوا العالم بفطرتهم ولم يحسبوا حسابا للانتهازيين، لينتهي بهم الحال فريسة للقلق والرهاب والاكتئاب، وها هم يطرقون باب الطبيب بحثا عن الثقة والأمان، لا عن الدواء"
إذاً اسمح لي بطرح هذا الأسئلة عليك قبل إكمال النقاش وأريد أجوبة صريحة عن رأيك :
شخص يمسك بكل حشرة أو حيوان تقع عينه عليهم ويقوم بتمزيق أوصالهم وتقطيع أطرافهم أثناء حياتهم ثم يقوم بقتله بأبشع وسيلة ، هل هو سوي أم لا ؟
شخص يهوى إذلال وإهانة كل شخص يقع تحت تصرفه لا فرق بين كبير وصغير أو رجل وامرأة ، هل هو سوي أم لا ؟
شخص لا يستمتع بأكل أي طعام إلا بعد أن يقضي حاجته في الطعام ويأكله هكذا ، هل هو سوي أم لا ؟
رجل يأتي الرجل أو امرأة تأتي المرأة أو شخص يأتي الأموات أو البهائم ، هل هم أسوياء أم لا ؟
هذا لا يجيب على السؤال، أريد أن أعرف من السوي لا أكثر وهذا أولًا، وكذلك هل يلام أي واحد من هؤلاء مثلًا؟
لا أريد الإجابة على سؤالي بسؤال يراد مني جوابه ليجاب على سؤالي، هذا لا معنى منه، أريد تعريفك لسوية الفطرة وحسب.
هذا نقاش تفاعلي وليس برنامجاً حوارياً حللتُ ضيفاً فيه لأجيب فقط دون أن أتناقش . أسئلتي بسيطة جداً يستطيع الإجابة عليها أي أحد ولا تحتاج إلا إلى أقل من ثماني كلمات فحسب . أم أن لك آراء لا تحب التصريح بها أمام الناس ؟!
علي الاعتراف بأنني ربما تسرعت بالحكم عليك إلى العدائية، وأعتذر عن هذا صدقًا يا أخي الكريم، أنت إنسان ذو إحاطة بعلم النفس حقًا، لهذا بأعوضك بالصراحة ولين الخطاب، يزعجني جدًا أمانة أن شخص بمعرفتك يستخدم علم النفس باطلاق الأحكام على الناس بعبارات مثل "سوي الفطرة" و"طالحها"، أنا أتفهم أنك تود الحفاظ على تحفظاتك الشخصية أثناء التطلع بهذا المجال لكن هذا يتنافى مع معاييره للأسف ولا يمكن جمع الإثنين، وهذا ليس من سوء أحدهما بالضرورة بل لتضادهما لا أكثر فعلم النفس يكظم الأحكام الشخصية والآراء والانحيازات لأن شغله التوصيف والتعاطف لإيجاد الحل وهو بذلك لا يكون فلسفة أخلاقية بل لا ينبغي أن يكون، وبخلاف ذلك سترى في حال تضمين الأيديولوجيات فلسفات مثل النازية أو علاجات كالlobotomy، ولا أقصد الإساءة لكن صراحةً توصيف الناس بناءً على الفطرة تصنيف مزعج حقًا لأن الفطرة لفظة ذات طابع أخلاقي وديني - في حال تضمينك تقبل الإسلام في الحالة البيولوجية-السايكولوجية الطبيعية - وهذا لا ينبغي أن يدخل بعلم النفس وهذا استفزني.
أنا لم أشعر بالإهانة من كلامك حتى تعتذر عنه ، ولكن على كل حال اعتذارك مقبول .
وللتصحيح فكما ذكرت في مُعرَّفي فأنا لست بطبيب ولا حتى طالب طب وإنما مجرد قارئ أهتم بهذا المجال لا أكثر وأحاول قدر المستطاع تحري الدقة العلمية حتى لو خالفت غيري ، ولذا أشعر أن مدحك أشبه بإهداء مِعطَف كبير لطفل رضيع . وعلى كل حال أشكرك على مدحك ولين كلامك .
وبالنسبة لموضوع الحديث فأنا مسلم قبل أن أكون قارئاً للعلوم النفسية . لا يمكنني أن أتقبل مصطلحات أو توصيفات أو طرق علاجية تخالف ما أعرفه من ديني ، وقبل أن أصف فعل الشواذ بأنه مخالف للفطرة السوية اطلعت على كلام أهل العلم بالدين الموافق لهذا الوصف ، لذا أنا لم أخترع كلاماً من عندي بل مجرد ناقل لا أكثر .
أيضاً أنا لم أعتد أن أسلِّم لكل كلام منقول من العلوم الغربية في المجالات النفسية حتى لو لم يصطدم بأي أمر ديني لأن هناك توصيفات تتناسب مع الفهم البشري الطبيعي وحتى مع كبار الأطباء النفسيين الأجانب .
على سبيل المثال في DSM-5 (الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية) تم إلغاء استثناء حزن الحداد ، بمعنى آخر لو كان هناك شخص يعاني من حزن شديد ومؤثر على حياته ووظائفه اليومية بسبب موت قريب لفترة تتجاوز أسبوعين فقد يتم اعتباره مريض اكتئاب جسيم ، هذا بالإضافة إلى الإفراط في التشخيصات مثل تشخيص طفل كثير الحركة بعض الشيء بفرط الحركة وغير ذلك .
ربما تنزعج لو صدر هذا الكلام مني ، ولكن ماذا لو صدر من آلان فرنسيس رئيس DSM-4 السابق نفسه .
So, I was very concerned the DSM-5 would have the negative effect of opening the floodgates even further to what seems to me to be fairly wild diagnosing, excessive use of medication, especially in kids, but also in adults and geriatric populations
ونفس المؤلف له كتاب يسمى saving normal يتعرض فيه لمثل هذه الأمور من الإفراط التشخيصي وغير ذلك .
وبالنسبة لنقص السيروتونين الشهير المتسبب في الاكتئاب فقد ثبت في دراسة حديثة أجرتها الطبيبة مونكريف وزملاؤها ونشرتها مجلة nature في 2022 أن إنقاص السيروتونين عمداً لدى المشاركين عن طريق تقليل التريبتوفان (حمض أميني ضروري لإنتاج السيروتونين) لم يؤدِ بشكل ثابت إلى تغير المزاج أو حدوث الاكتئاب .
ومع ذلك تجد بعض الأطباء النفسيين إلى اليوم يتكلمون عن الاكتئاب الناتج عن نقص السيروتونين كأنه حقيقة ثابتة لأن هذا هو المشهور مؤسسياً حتى الآن ولم يتم تعديله بشكل جذري في المراجع الطبية .
لذا فأنا لا أنجرف وراء مصطلحات أو أساليب وعلاجات نفسية معينة تخالف الحقائق والأبحاث العلمية الحديثة ، وإذا كان النقد للعلوم النفسية مقبولاً إذا جاء من طبيب أجنبي أو دراسة غربية ، أليس من الأولى للمسلم قبول النقد والتوصيف إذا جاء من مرجعية إسلامية موثقة طالما أن المنظومة الطبية العلمية ليست معصومة وقابلة للنقد داخلياً ؟!
أتمنى أن تكون وجهة نظري واضحة .
التعليقات