يقولون: "مصر ليست بعيدة عن عشاقها".
ولعل جمال هذه العبارة لا يكمن في معرفة قائلها، بل في صدق المعنى الذي تحمله. فبعض الكلمات لا تحتاج إلى توقيع صاحبها، لأنها تولد من وجدان أمة كاملة، وتستقر في ذاكرة الناس حتى تصبح جزءًا من حديثهم اليومي.
فما سرّ مصر؟
ما الذي يجعل اسمها حاضرًا في القلوب حتى لدى من لم يولدوا على أرضها، ولم يشربوا من نيلها، ولم يمشوا في شوارعها؟
لأن الأوطان ليست سواء.
هناك أوطان نسكنها، وهناك أوطان تسكننا. ومصر من تلك البلاد التي تجاوزت حدود الجغرافيا لتصبح حالة ثقافية وحضارية وإنسانية متجذرة في الوعي العربي. فمنذ قرون وهي تكتب حضورها في التاريخ، وتترك بصمتها في الأدب والفن والعلم والسياسة، حتى غدت أشبه بقلب كبير ينبض في جسد هذه الأمة.
كم من شاعر شدّ الرحال إليها فعاد محملًا بالإلهام، وكم من فنان وجد فيها فرصته الكبرى، وكم من طالب علم أو صاحب حلم رأى فيها محطة صنعت جزءًا من مستقبله. لم تكن مصر بالنسبة لكثيرين مجرد بلد يقيمون فيه، بل تجربة يعيشونها، وذكرى يحملونها معهم أينما ذهبوا.
ولذلك فإن البعد عنها لا يشبه البعد عن سواها. فالمسافات قد تُفرّق بين الأجساد، لكنها تعجز عن انتزاع صورة محفورة في الذاكرة أو محبة مستقرة في القلب. وما أكثر الذين غادروها وهم يظنون أنهم طووا صفحتها، فإذا بها تعود إليهم في حديث عابر، أو أغنية قديمة، أو مشهد من فيلم، أو حنين مفاجئ لا يعرفون له سببًا.
إن سرّ الأماكن العظيمة أنها لا تكتفي بأن تُرى، بل تُعاش. ومصر واحدة من تلك الأماكن التي تترك أثرها في النفوس، حتى يصبح الحديث عنها حديثًا عن جزء من الذات لا عن بقعة من الأرض.
لهذا تبدو العبارة صادقة مهما اختلف الناس في أصلها ومصدرها.
فمصر ليست بعيدة عن عشاقها...
لأن العشق الحقيقي لا تقاس حدوده بالأميال، ولا تمنعه البحار، ولا تطفئه السنوات. ومن أحب شيئًا بصدق، بقي بينه وبينه خيط خفي، مهما طال الغياب.
وما مصر إلا واحدة من تلك الحكايات الجميلة التي يظن الناس أنهم غادروها، بينما تكون هي قد أقامت في قلوبهم إلى الأبد.
التعليقات