في الأزمنة العادية، قد يكون عيد الأضحى مناسبةً عابرة عند البعض؛ طقوسًا موسمية تنتهي بانتهاء أيام العيد، لكن في البلاد المُتعبة بالحروب، يصبح للعيد معنى آخر… يصبح محاولةً عنيدة لإبقاء الروح حيّة وسط الركام.

تُروى عن أم سلمة أنها جاءت إلى النبي محمد(ص) فقالت: "يا رسولَ اللهِ يحضرُ الأضحى وليس عندي ثمنُ الأُضحية فأستقرضُ وأضحِّي؟ فقال: استقرضي فإنَّه دينٌ مقضي."

ليست العبرة هنا في اللحم وحده، ولا في شعيرة تُؤدّى ثم تُنسى، بل في المعنى العميق الكامن خلفها؛ أن يبقى الإنسان قادرًا على ممارسة الرحمة والفرح والكرامة حتى في ضيق الحال.

كم تُشبه هذه الرواية حال كثيرين في لبنان اليوم… بلدٌ أنهكته الحروب، واستنزفته الأزمات، وأكل الخوف أعصاب ناسه كما تأكل النار الهشيم.

بيوتٌ تُطفئ أنوارها باكرًا توفيرًا، وآباءٌ يحسبون كلفة الخبز والدواء قبل أي شيء، وأمهاتٌ يخفين قلقهنّ خلف ابتساماتٍ متعبة كي لا يرى الأولاد حجم الانكسار.

ومع ذلك… كلما اقترب العيد، عاد الناس يبحثون عن أي نافذة صغيرة للحياة.

في الحروب، لا تكون الأضحية مجرّد شعيرة دينية، بل إعلانًا داخليًا بأن الخراب لم ينتصر بالكامل، وأن الإنسان ما زال قادرًا على أن يمنح، ولو كان مثقلًا بالخسارات.

فالفقراء أنفسهم يحاولون ألّا يمرّ العيد دون رائحة قهوة، أو ثياب نظيفة للأطفال، أو قطعة لحم تُشعر العائلة أن للحياة بقية.

لبنان اليوم لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار للحجر، بل إلى ترميم الإنسان الذي أرهقته الأخبار الثقيلة، والانتظار الطويل، والخوف الذي صار ضيفًا دائمًا في البيوت.

ومع كل ذلك، يبقى في هذه البلاد شيءٌ عصيّ على الانكسار؛

ذلك الإصرار الغريب على الحياة…

على إعداد طاولة العيد ولو كانت متواضعة،

وعلى تبادل التهاني رغم القلق،

وعلى التمسّك بالأمل ولو بدا بعيدًا.

لعلّ أعظم ما نتمنّاه في هذا العيد، ليس وفرة المال ولا كثرة المظاهر، بل أن تنطفئ هذه الحرب القاسية، وأن يعود الناس إلى بيوتهم مطمئنين، وأن يستعيد لبنان حقّه الطبيعي في الحياة، بعيدًا عن أصوات الموت والدمار.

عيدٌ مبارك على القلوب التي أتعبتها الأيام ولم تفقد إنسانيتها،

وعلى الذين يقاومون القسوة بالصبر،

ويحاولون، رغم كل شيء، أن يُبقوا للعيد معنى.