في كل مرة كنتُ اختار فيها الصمت تجنباً للمشاكل، وأوافق على أوضاع وظروف لا تناسبني لمجرد أن الجميع متأقلم عليه، كنتُ أعتبر بذلك أني أتحلى بالمرونة والذكاء الاجتماعي، ولكن ما اكتشفته مؤخراً خاصة وانا أستمع لإحدى حلقات بودكاست عقلية، هي أننا أحياناً نُطلق على استسلامنا مسميات لطيفة تحت مسمي تجنب المشاكل والمرونة وغيره، إلا اننا إذا استمرينا في تقبل كل أمر واقع يتم فرضه علينا، سنُمحي تماماً.
فنحنُ نعيش في مجتمع لا يقبل الاختلاف أو الرفض، خاصة إذا كان الجميع يسير في نفس الإتجاه أو لديهم نفس الأفكار تماماً كعقلية القطيع، ولكي تنعم بسلام معهم عليك أن توافق وتقبل بكل شيء، تماماً كالموظف الذي يتقبل اهانات من مديره، ويقبل بمهام فوق طاقته، حتى لا يُقال عنه مثير للمشاكل، أو من يقوم بإرضاء عائلته على حساب نفسه في اختياراته، والذي يكون الأمر في البداية كأنه تنازل بسيط وتضحية صغيرة تدل على حكمته في الابتعاد عن المشاكل، لكن ليتفاجأ مع الوقت بأنه أصبح فارغاً غريباً تماماً عن نفسه، ممتلئ فقط بأفكار ورغبات الآخرين.
المرونة الحقيقية من رأيي لا ان يكون الشخص أشبه بالماء يُصب في كل وعاء فارغ فيتخذ شكله، بل أن يكون للمرء حدوداً واضحة لأهدافه وأحلامه وما يُريده، الفكرة أن معظم الأشياء من حولنا التي تتحدث عن الحرية في الرأي والانفراد وكيفية أن يكون الشخص مميزاً ومختلفاً، هي نفسها الأشياء التي تُقدم لنا في الغالب قوالب معينة جاهزة للنجاح، سواء في شكل العلاقات، في طريقة التفكير، في الأحلام، بل وحتى ستجد قوالب جاهزة تعلمك كيف تتحدث وتصمت، كيف تسير وتتوقف.
فإستعادك الحقيقي لنفسك ولهويتك يبدأ عند قولك لكلمة لا عندما ترفض شيئاً ما لا تقبله، وقد يكون ثمنه هو الشعور بالغربة وسط الجموع.
التعليقات