متى يصبح التعلّق بالماضي هروبًا من الحاضر؟
كثيرون يظنون أنهم أوفياء لذكرياتهم، بينما هم في الحقيقة مختبئون داخلها. فالتعلّق بالماضي لا يصبح مشكلة حين نتذكر، بل حين نتوقف عن العيش. حين يتحول الحنين من شعور عابر إلى إقامة دائمة داخل ما انتهى، يصبح الماضي ملجأً نهرب إليه كلما عجزنا عن مواجهة الحاضر.فالإنسان أحيانًا لا يشتاق لشخص بقدر ما يشتاق لنسخته القديمة من نفسه؛ تلك النسخة التي كانت أكثر طمأنينة، أكثر اندفاعًا، أو أقل خيبة. لذلك يتمسك بالماضي لأنه المكان الوحيد الذي لا يفاجئه، بينما الحاضر مليء بالاحتمالات المقلقة والأسئلة المفتوحة.
المشكلة أن الإفراط في استحضار الذكريات يجعل الإنسان يعيش بعينٍ خلفه دائمًا، فلا يرى ما يُمنح له الآن. يرفض أشخاصًا جدد لأنهم ليسوا كالسابقين، ويخاف من التجارب لأنه ما زال يحاكم الحاضر بألم قديم. وهنا لا يعود الماضي مجرد ذكرى… بل يتحول إلى قيد غير مرئي يمنعه من التقدم.الأخطر أن بعض الناس يقدّسون الألم لأنه آخر ما تبقى لهم من العلاقة، فيتمسكون بالحزن وكأنه دليل وفاء. مع أن النضج الحقيقي ليس في البقاء أوفياء لما كسرنا، بل في القدرة على النجاة منه دون أن نفقد أنفسنا.فالذكريات خُلقت لتُزار… لا لتُسكن. ومن يعيش عمره ملتفتًا إلى الخلف، قد يفوته ما كان يمكن أن ينقذه في الأمام.
برأيك… هل التمسك بالماضي يكون دائمًا وفاءً، أم أنه أحيانًا خوف مقنّع من بدء حياة جديدة؟
لا بالتأكيد، ليس التمسك بالماضي دائمًا وفاء، فأحيانًا يكون خوفًا من أخذ خطوة جديدة نحو جديد مجهول، وبدلًا من ذلك نجد أنفسنا مرتاحين مع ما أعتدنا عليه في الماضي حتى ولو كان مؤلمًا، فهو مؤلم نعم، لكنه ألم نعرفه وتعايشنا معه ونألفه بدلًا من أن نخطو نحو مجهول بألم جديد لا نعرفه! وهذا يكون تفكير البعض في الغالب.
مع أنه حتى الوفاء لذكرى شيء أو شخص لا يعني أن نعيش في الماضي من أجله، بل أن نكون ممتنين للذكريات ونحترم ذكرى الشخص ثم نستمر بالحياة.
طرحكِ متوازن جدًا ويقارب الفكرة من زاويتين مهمتين فعلًا: زاوية الخوف من المجهول، وزاوية الاعتياد على الألم المألوف حتى لو كان مُرهِقًا. وهذا في جوهره يفسر كثيرًا من حالات التوقف عن المضيّ قدمًا، لأن الإنسان بطبعه يميل إلى ما يمكن توقعه حتى لو كان مؤذيًا، على ما هو غير مضمون تمامًا.وكذلك نقطة التفريق بين الوفاء والعيش داخل الماضي دقيقة؛ فالمسألة ليست في تقدير الذكريات أو احترام التجربة، بل في حدود تأثيرها على الحاضر. حين تبقى الذكرى مصدر تقدير وامتنان فهذا نضج، أما حين تتحول إلى بديل عن الواقع أو حاجز يمنع الاستمرار، فهنا يصبح التمسك بها عبئًا لا وفاءً.
التعليقات