أكثر المخاوف لدى المقبل على الإنجاب تكون عدم رغبة في تكرار أي أنماط تربوية كانت مؤذية بالنسبة له، أو حتى أنماط في التعامل بين أبويه أثرت بطريقة سيئة في رؤيته للعلاقة الزوجية أو شوهت مفاهيم كثيرة لديه، وعند قرار زواجه أو إنجابه تصبح المخاوف قاسية في احتمالية أن تكون لديه أي صدمات سيظهر أثرها عند تربيته للأبناء، أو أنماط كان يكرهها فيعيدها مرة أخرى في حياته، كما هي الأمثلة الشائعة أن الابن يصبح أبيه عندما يتزوج والبنت تصبح أمها، فمثلًا من تربى في بيت يعاني فيه الأب أو الأم قلق مزمن، سواءً كان اضطرابًا وراثيًا أو سلوكيات مدفوعة بالخوف الزائد، عندما ينجب يجد أنه في حيرة لأنه فعلًا يخشى أن يصيب الأولاد أي مكروه، فيجد نفسه أمام ثلاثة اختيارات، إمّا منعهم عن معظم الأشياء التي يراها مقلقة، أو يرافقهم هو أو الأم في أي نشاط خارج المنزل، أو يقرر أن ينزع مخاوفه كلها من البداية حتى يتعلم الابن كيف يتصرف بنفسه في أي موقف، ولكن هناك حل مختلف نسبيًا، وهو التحدث مع الأبناء عن سبب مخاوفنا أو أنماط تعاملنا، حتى لو صدر منا أي تصرّف بناءً على هذه الأنماط لا يتضايقون أو على الأقل يكونوا متفهمين، فهل هذه التصرف يقوي العلاقة بين الأهل والأبناء، أم يجعلهم يفقدون سيطرتهم وهيبتهم أمام الأبناء؟
كيف نتأكد أننا لا ننقل لأولادنا نتائج الصدمات التي تعرضنا لها؟
لأ أظن أن الموضوع سيكون بهذه الوردية، فمهما قرأ الإنسان من كتب أو دخل في نقاشات أو شاهد محتوى عن التربية، تكون دائمًا التجربة نفسها مختلفة وأكثر تعقيدًا، هي خطوة ضرورية بكل تأكيد، ولكن ليست هي المعيار الحاسم، فربما قراءة الكتب والمعرفة النظرية الكثيفة تسبب عند البعض الخوف من الخطأ؛ وهذا يؤدي إلى الميل في حبس الطفل في فقاعة أو بيئة مثالية تشوه منظور الطفل للعالم.
أظن أن فهم تصرفاتنا وتقدير حجم المسؤولية هو الأهم، بجانب حب هذا الدور وتقديره والتفكير فأن هذه نعمة تستحق الشكر بالعمل ليست عبئ أو عائل أو مهمة مستحيلة.
أظن الخوف من الخطأ أحيانًا يكون هو نفسه وسيلة عدم تكرار الأنماط السيئة التي لا نريدها، أو على الأقل نسرع في إصلاح أي تصرف خاطئ ولا نبرره بأننا نحميهم أو نحبهم وسيفهمون لاحقًا وهكذا، حتى لو أنني نسبيًا أوافق على أن بعض التصرفات فعلًا يدرك الأبناء اهميتها لاحقًا، ويشكرون أهاليهم على منعهم منها، وطبيعي أن تكون هناك نزاعات في مرحلة المراهقة تحديدًا، لكن الفكرة أنه يجب الموازنة بين منعهم من بعض التصرفات وبين أن تكون مخاوفنا مانعة مساحة التجربة لهم، فأنا فعلًا أعرف آباء يتعاملون مع أبنائهم بفكرة أن الابن لن يتعلم سوى بالتجربة الواقعية، ويزرعون فيهم المسئولية من مراحل مبكرة جدًا جدًا حتى يعرفون كيف يتصرفون في أسوأ الظروف، فهل هؤلاء مثلًا لا يقلقون على الأبناء ام يعرفون أن القلق الزائد ربما يضعف شخصية أولادهم لاحقًا؟
هل تكون الحرية المعطاه للأطفال أو السماح لهم بالتجربة فيها شيء من التطرّف؟ كمثلًا ممارسة أنشطة فيها خطورة على سلامة الطفل، فبالطبع هذا لا يُمكن تشجيعه، ولكن لا ننسى أن الأطفال ليس لهم نفس أنماط الشخصية، فربما يعرف الأب أو الأم طفله بشكل جيد، يسمح له بالتوقع بتصرف الطفل في السيناريوها المختلفة، فالنهاية، ما يجب التركيز عليه هو أن لا يكون التعامل مع الابن أو البنت تعامل آلي أو خالي من المشاعر، ربما بدلًا من أن تقول للطفل: لا تفعل كذا لأنك لن تستطيع فعله، تجعله يقدر قلق الأب أو الأم ويراعيه، ولكن ليس على كُل شئ لكي لا يكون الوالدين the boy who cried wolves، فطبيعي أن تقلق، ولكن لا تمنع الطفل من خوض المغامرات وتكوين التجارب.
كيف نحدد ما فيه خطورة على سلامة الطفل؟ لأنه بالقلق كل شيء تقريبًا في خطورة، اللعب في النادي الرياضي قد يصاب فيه إصابة قوية، والذهاب في الرحلات قد ينتج عنه حادث طريق (تخيلات المخاوف) وممارسة الطفل لأي رياضة عمومًا فيها مخاطر حسب كل رياضة، حتى عبور الشارع نفسه يحمل مخاطر، يعني نحن لو طرقنا مساحة للقلق غالبًا سنمنع الطفل من كل شيء، وأنا أعرف أهالي بنفس النمط بالضبط، لا رحلات ولا نزول في الشارع بمفرده حتى نهاية مرحلة الابتدائية، ولا الذهاب لأيام رياضية ولا أي شيء "قد" يحمل مخاطر.
التعليقات