تخيل لو أنك شعرت بالجوع في منتصف اليوم، فبدأت توبخ نفسك وتقول: "يا لي من إنسان ضعيف وسيء! كيف أسمح لنفسي بالجوع؟ يجب ألا أجوع أبداً!".
سيبدو هذا المشهد عبثياً وغير منطقي على الإطلاق، فالجوع إشارة بيولوجية طبيعية يرسلها الجسد ليخبرك بحاجته للطعام. لا أحد يخجل من جوعه.
لكن المثير للاستغراب هو أننا نمارس هذا العبث يومياً مع أرواحنا ونفسياتنا! عندما نشعر بالحزن، أو الغضب، أو الخوف، أو حتى الغيرة، فإننا غالباً ما نهاجم أنفسنا، نشعر بالخجل، ونعتقد أنه لا ينبغي لنا أن نشعر هكذا إذا كنا أقوياء أو ناضجين.
فخ "عار المشاعر" (Emotional Shame)
لقد تمت برمجتنا مجتمعياً على تصنيف المشاعر إلى "جيدة" و"سيئة"، واعتبار أن الشخص "السوي" أو "القوي" يجب أن يكون سعيداً وإيجابياً طوال الوقت. هذا الفهم المغلوط أدى إلى ما يُعرف بـ عار المشاعر؛ وهو أن تشعر بالذنب لأنك تشعر بالضيق.
هذا العار يضاعف المعاناة. فبدلاً من أن تتعامل مع "الحزن" فقط، تصبح مضطراً للتعامل مع "الحزن" + "الشعور بالخجل من حزنك" + "محاولة إخفاء هذا الحزن عن الآخرين". إنه استنزاف هائل للطاقة النفسية.
المشاعر هي "بيانات" وليست "أحكاماً"
تماماً كما أن الجوع يخبرك بنقص الطاقة، فإن المشاعر السلبية هي مجرد رسائل أو "بيانات" (Data) يرسلها عقلك:
- الخوف: يخبرك بوجود تهديد محتمل تحتاج للاستعداد له.
- الغضب: يخبرك بأن حدودك الشخصية قد تم تخطيها.
- الحزن: يخبرك بأنك فقدت شيئاً ذا قيمة بالنسبة لك.
هي إشارات طبيعية جداً، لا تملك زر إيقاف تشغيل لها، ولا تحدد قيمتك كإنسان.
المعادلة الذهبية: المشاعر لا إرادية.. الأفعال إرادية
الخلاصة الجوهرية للتشافي النفسي تكمن في الجملة التي ذكرها المختص: "مهما كانت مشاعرك، تقبل نفسك وأنت تحملها... المهم أفعالك، المهم تصرفاتك".
هناك خط فاصل وحاسم يجب أن نرسمه في عقولنا بين "الشعور" و"السلوك":
- الشعور لا نُحاسب عليه: من الطبيعي جداً أن تشعر بالغضب الشديد تجاه شخص أخطأ في حقك. الشعور بالغضب هنا ليس خطأً ولا عيباً.
- السلوك نُحاسب عليه: أن يدفعك هذا الغضب لشتم هذا الشخص أو ضربه أو تدمير ممتلكاته.. هذا هو الخطأ.
أنت لست مطالباً بمنع الشعور بالغيرة عندما ترى زميلك يترقى، فهذا شعور بشري. لكنك مطالب بألا تدفعك هذه الغيرة لأذيته أو تشويه سمعته.
لك الحق الكامل في أن تشعر بأي شعور، ولكن ليس لك الحق في القيام بأي سلوك.
كيف نطبق هذا التقبل عملياً؟
في المرة القادمة التي يداهمك فيها شعور سلبي مزعج، جرب هذه الخطوات:
- سمِّ الشعور دون تقييم: قل لنفسك "أنا أشعر بالخوف الآن"، بدلاً من "أنا جبان لأنني خائف".
- أعطِ الشعور شرعيته: ذكر نفسك بأن هذا الشعور مسموح ومبرر. "من حقي أن أغضب في هذا الموقف".
- ركز على الاستجابة: اسأل نفسك: "الآن وقد اعترفت بهذا الشعور وتقبلت وجوده، ما هو التصرف الصحيح والحكيم الذي يجب عليّ فعله والذي يتوافق مع قيمي؟".
لا تعتذر أبداً عن مشاعرك، ولا تخفِها في أقبية الروح خوفاً من النقص. الإنسان المكتمل ليس تمثالاً بلا شعور، بل هو إنسان يعترف بضعفه، يتقبل بشريته، ويسمح لنفسه بأن يحزن ويغضب ويخاف... ولكنه في النهاية يختار أفعاله بحكمة، ولا يسمح لمشاعره بأن تقود مقود حياته.
التعليقات