قرأت نصاً لجبرا إبراهيم جبرا، يتحدث فيه عن النجاح الحقيقي في الحياة، فهو يرى أن أولئك الذين يتخرجون بمعدلات عالية وتخصصات مهمة سذج طالما ليس لهم طقوس حياتية خاصة، لا يعرفون شاعراً ولا يستمتعون بعمل فني، أو يحاولوا الرسم مثلاً، لا يهتمون للتفاصيل الصغيرة التي هي السعادة.

في الحقيقة هذا جعلني أتأمل، فالحياة سجن في التعليم والعمل مهما بلغا من الأهمية، في النهاية نحن نعمل لنعيش ويكون لنا الوقت الذي نهتم فيه بأنفسنا ونروِّح عنها ونسعدها ونسعد من حولنا ويكون لدينا وقت نقضيه سوياً، ولا نعيش لنعمل وتضيع ساعات اليوم بين جدران وعملاء، نكتسب المال ولا نكتسب الوقت الذي سنصرف فيه المال، ولا نحاول الترويح عن النفس بالتعرض لفن أو محاولة ممارسة رياضة أو اكتساب صداقات جديدة أو السفر. وكأن المال هو النداهة التي لا نستطيع رفض ندائها.

الأطباء مثلاً في المكان الذي أسكن فيه أغلبهم يعملون منذ الثامنة صباحاً إلى وقت متأخر من الليل، ويكررون نفس اليوم كل يوم. هم يكتسبون المال، لكن ما قيمته على جودة الحياة؟ لا شيء، تعب في العمل بلا سعادة تذكر. بلا ممارسة الحياة حتى. حتى أنني أتخيل أن من اختاروا هذا النمط من الحياة حين ينامون يحلمون بأنهم في شيفت ليلي من نفس العمل. فلا يوجد تفاصيل أخرى في اليوم تحفز العقل على التفكير فيها أثناء النوم.

أعلم أن الحياة أصبحت صعبة، وأن العمل لساعات طويلة أصبح ضرورة لكني أرى أن الحياة أغلى من المال حتى لو سيعيش الإنسان في حالة مادية أقل.. وأغلى أيضاً من التعليم..حتى لو سنتخرج بمعدلات أقل.