قرأت شيئاً أرجعني للطفولة، لاحظ نعوم تشومسكي أن الإنسان إذا بدأ في تزييف آراءه لأي سبب فإنه مع الوقت يبدأ في تجميل هذا التزييف بمحاولة جعله حقيقه، والنتيجة أن الآراء المزيفة تلك مع تكرار قولها يعتنقها الإنسان بالفعل ويتعامل بها على أنها الحق في نظره، فيما تذبل تلك الآراء التي لم يعبر عنها الإنسان زمناً طويلاً بسبب الخوف أو الحرج.
هناك شيء حصل معي يدل على ذلك، منذ الصف الأول الابتدائي وأنا أرى أن من الظلم أن يضرب الأستاذ التلاميذ، ولا أرى مبرراً لهذا الضرب، لكن مع كلام المدرسين المنمق أنهم يفعلون ذلك لنكون أفضل وكذلك كلام الأهل أن هذا من حرص المدرس وضميره الحي، لاحظت أنني بدأت أتحرج من إعلان موقفي الحقيقي، وبدأت أقول مثلما يقولون، إلى أن أصبحت بالفعل أقتنع أن المدرس له الحق في فعل ذلك. وظللت فترة طويلة على ذلك.
وكان موقفي هذا مثلما قلت في البداية محاولة للتكيف مع تزييفي في لرأيي لفترة طويلة.
أيضاً منذ زمن ليس ببعيد، كان عشق الإبن لكرة القدم دليل على رعونة الإبن، وسبب تجاهله لدراسته، ومدعاة لهربه من الدروس ومصاحبة الفاشلين دراسياً، بعدما اشتهر محمد صلاح في أوربا تغير الوضع تماماً بالنسبة لآراء الناس عن الكرة، جارنا مثلاً الذي حقق رقماً قياسياً في تقطيع كرات الإبن بالسكين، واقتحام الشارع الذي يلعب به بعصا غليظة، الآن يذهب به لأكاديميات الكرة حتى يكون لاعباً محترفاً.
لم يعد يقول أن اللعب انحراف بل احتراف.
لم يعد هذا الأب ولا غيره يجرؤون أن يصفوا كرة القدم بالتفاهة أو الشيء الهامشي رغم أن هذا كان رأيهم. لكنها شيء يجعل هناك قيمة في المجتمع وشهرة وفلوس لا حصر لها.
أرى أن المثالين بينهما وجه اختلاف بسيط وهو أن الأول حقيقة مطلقة، والثاني نسبي، فليس كل من لعب الكرة في نوادٍ أصبح مشهورًا أو بعيدًا عن أصدقاء السوء وغيرهم.
أما المثال الأول فهي حقيقة مصدق بها وعليها من الطب النفسي على الأقل، أن الضرب طريقة فعلًا ولكنها الأسوأ والأقل فعالية في التربية وتعديل السلوك، ومع المجتمع الكبير الذي كان يؤمن بالضرب، كان هناك أب غير مقتنع بهذا الأمر، ولا يفعله، رغم سياق الضرب في المجتكع وتصويره على أنه الاجتهاد "وإن المدرس مش بيضرب غير الطالب الشاطر"
الملخص أن القاعدة نسبية، تسير على بعض مبادئ الحياة وبعضها لا، وإلا تغيرت وجهة نظر المجتمع مع مرور الزمن نحو المقدسات وغيرها من قواعد الطبيعة الثابتة.
التعليقات